محمد نديم علي
اللوحة: الفنان السوري أكرم زافي
لا يستطيع الإنسان العيش معزولا دون تواصل مع العالم والموجودات من حوله، فهنالك من وسائل التواصل الحديثة بين أبناء آدم ما يمكنهم من مقاومة الملل والاكتئاب، لكن ما أقصده هنا هو التواصل الفطري، قبل أن تدركنا مستحدثات العالم الجديد.
ومن أبسط أنواع ذلك التواصل، هو التواصل الذاتي، تواصل الفرد منا مع أعضاء جسده، وهو أول أنواع التواصل منذ فجر التاريخ.
من منا لم يمسح على رأسه مداعبا خصلات شعره أو صلعته الناعمة أثناء قراءته في كتاب، أو كان ساهما محملقاً في ذلك الفراغ العريض؟
وما يفعله العلماء والمخترعون والفلاسفة عبر التاريخ من حك وهرش وشد وجذب لشعورهم وأطرافهم، كان له الأثر الكبير في إنتاج مخترع جديد، أو دواء ناجز، أو فلسفة عبقرية، أو فكرة مبهرة .
من منا، وهو يقرأ مثلا، لم يصفع قفاه بلطمة هائلة، مقتنصا “ناموسة” عابرة متلبسة بلسعتها المفاجئة؟
أو يمارس هرشا هنا، وقرصا هناك على خريطة جسده العامرة بالغبار والعرق، ودفء الاسترخاء الكسول، ولو كان رجلا، فربما تلاعب بشاربه متتبعا لشعرة زائدة هنا، أو نازعا لنبتة غائرة على وجنته هناك.
وإن كان متكئا، فربما تمتد أنامله إلى أصابع قدميه، يعبث بينها في أداء هادئ رتيب يحسه لذيذا، وربما تتحرك يده في رحلة منتظمة ما بين تلك الأصابع وأنفه، مستمتعا بشم ما تحويه تلك الأصابع من إكسير كريه، ثم في حركة لا إرادية يترك أصبعه متسللا في أكثر درجات التواصل حميمية، ليمارس هواية التنقيب في فتحات أنفه الزاخرة متفحصا ما تم اقتناصه، على طرف أصبعه من (منتجات) الثورة العلمية، متأملا في تصاريف أمور العالم الحر، وتقلب أحوال الإنسان المعاصر في قرن الطفرة التكنولوجية وصراع القوى العظمى، ليتنبه على صراخ رفيقة عمره تلومه على كسله المعتاد، وتجاهله المقصود، ونسيانه المتعمد، وقد أودى به إلى إهماله اصطحاب (كيس الزبالة) للتخلص منه، رغم إلحاحها عليه طوال أسبوع مضى.
هنا يدرك حجم المأساة في معاناة كل منا من ظلم الإنسان لأخيه الحيوان.
في عزلكم الاختياري، لا تهملوا تواصلكم مع ذواتكم، ولو كان مجرد الهرش تحت (الباط)، أو اصطياد نملة متسللة إلى المناطق الحدودية بين قفاك العزيز، وياقة قميصك المتسخ.