النداهة

النداهة

د. محمد جابر لطفي

اللوحة: الفنان المصري شوقي زغلول

من منا بلا أسرار.. لوكان هذا السؤال بالذات قد ألقي علي مسامعي منذ شهر مضي..لأخذت شهيقا طويلا ثم أسلمته إلي الفضاء وقلت وكلي ثقة.. إنه أنا… لكن الحال لا يستقر على حال..  وكما لكل شئ بداية كانت لقصتي بداية.

كان لي مكان أهفواليه لألقي ماعلق بي من أدران الحياه.. أودع همومي وآلامي.. أغتسل في زرقة البحر وأرتوي من حمرة الشفق..كنت أدع روحي تستكين  في ذلك الفردوس الخفي…إلى أن سمعت دقات هامسة لأرى الضوء الخافت وهو يتلمس طريقه في حياء ويطرق أبواب جفوني ولم أستطع أن أرده خائبا. 

سرى اللون السماوي الى داخلي فأبصرت سماءا صافية زرقاء تتعانق مع أفق له نفس اللون.. كان بحرا بلا أمواج كان السكون الحبيب يتجول كيفما يشاء.. ثم رأيت ضبابا وكأنه يتصاعد من جوف الماء ومن خلفه ضوء ذهبي يتلألأ أخذ يتماوج وكأنه ظبي شارد يحلم في غابة عذراء.

كانت هي.. شعر ذهبي يتطاير ويلف المكان ووجه كأنه الشمس يبرق بألف ضوء وعليها غلالة من حرير أخضر شفاف يبدووكأنه يترنح متدثرا بالنسيم. أخذت تخطوعلى الماء..ثم رأيتها ترنوإلي في وجل.. وكأني جئت من العدم وأن ذلك المكان لم تمسه خطا بشر من قبلي.

نبت في عقلي ألف سؤال وقبل أن أفيق من دهشتي وجدتها تنساب بعيدا كما تسري الأحلام.. ذهبت وارتحلت معها كل جوارحي لأقف مشدوها بلا قلب. لم يوقظني إلا آخر شعاع من الشمس الغاربة التي تركتني هي الأخرى وجلبت وراءها ظلمة الأفق التي أقبلت تعانق الخواء الذي أصبح يسكن نفسي الملتاعة.

لم أكن أريد أن أذهب وأغادر تلك الجنة الزائفة علها تنزع أستار المجهو لي وتنير الوجود مرة أخرى من أجلي.. انتظرت وانتظرت لكن آمالي ذهبت بها أدراج الرياح وأعادتها إلي كسيرة العين والفؤاد. 

ظللت آتي إلى نفس المكان مرات ومرات حتى إعتادني..رأيت الشمس تغرب وهي محزونة من أجلي وإحتواني الليل كما يحتوي كل غريب..لم يعد لي سوى أن أرقب الليل والنهار.. الضوء والظلمات.. الأمل والحسرات وكما يصغر البدر بعد اكتمال عادت روحي إلى ماكنت تعيش عليه وتناست سرها الكبير.

حتي جاء ذلك اليوم الموعود.. كان الكون من حولي يشكو من وحدتي والهمسات تلفني بلا صوت.. وجدتها تنظر إلي في وداعة ورفق.. تحادثني بلا صوت وبغير كلمات.. كانت هي.. وكأن الزمن قد دار دورته وأعادها لي وهي تلتف ببهجة الأقدار.

أشارت إلي أن اتبعها وقد فعلت.. وهل كان لي ساعتها أن أختار.. لم أدري إلى أين سوف تأخذني قدماي.. نظرت إليها.. بدت كالنداهة.. تلك المرأة التي يلفها الغموض وهي تقطر فتنة ودلالا.. تظهر من العدم وتدعو من تريد حتى يتبعها ليعطيها وهو راض كل مالديه.. ثم تلوذ بالصمت وتسري إلى الخفاء ليظل المعذب تائها بين صنوف من الأوهام.. طاف كل ذلك بخاطري وأنا أخطو إلى المجهو لكن تلك الهواجس لم تردعني وأنا أرها تسير أمامي تكاد تنير الأرض والأفق والسماء.

كانت الأرض تطوى من تحتي ثم.. تلاشت كل الأشكال.. لم يعد هناك شمس ولا نهار بل كانت هي تملأ المكان والزمان. التفتت إلي وأبانت ابتسامة تخجل منها كل لآلئ العالم وألقت علي بسؤال يمتلأ لهبا.. هل تريد أن تشاركني عالمي الصغير.. ولم يجب لساني إذ تكفل كل شئ بالجواب حتى كل ما حولي ردد همساتي بالقبول.. أجابتني ليس ذلك ما أريد.. لكني أطلب أن تقبل ما أهبه لك.. وذلك بشرط واحد أن تسلمني عشقك القديم لذاتك.. أريد أن أصبح لك كل شئ ولا أرضى أن أفقد ذرة واحدة من كيانك.. هل تقبل؟

وقبل أن أشرع في التفكير كانت قد ذهبت كما جاءت في خفاء وارتد كل شئ الى ماكان عليه الليل والأرض والأحلام وانتظرت الفجر الجديد أن يولد وقد فعل.. لكني لم أعد ذلك الشخص الذي كان.

كان علي أن أمعن التفكير مرة بعد مرة فقد كنت على حافة الطريق بين السعادة والشقاء أتساءل هل أسلم كل مالدي.. آمالي ولذاتي.. عقلي وجسدي لتلك التي لا تريد الا أن تطاع. كان عقلي يرتعد وذاتي تهرب إلى كل مكان وإلى لا مكان، لكني في النهاية كان لابد لي أن أختار بين عناق الأمل ويأس الفراق. هل أسلم غدي الى حلم يلتهم كل مالدي أم لعلي إن ارتضيت بما تريد سوف أفوز بما لم يفز به إنسان.. كانت لديها كل ما أرغب به وكانت تطلب مني ما لا أستطيع أن أهبه لأحد.

 كان علي أن أذهب إلى نفس المكان حتى أهبها ما لدي كله وتصبح هي كل مالدي.. ولكني لم أر ذلك المكان أبدا.. لأني قد رأيت أن مالدي أثمن من أن أفقده حتى لتلك الحورية التي لم تكن لترتوي أبد الدهر.

كنت أعلم أني سوف أقضي باقي العمر يلتهمني الندم على ما أضعت. وأني قد أسلمت ما تبقي لي من أيام إلى عالم تجول فيه صنوف الألم واليأس.. لكني قد واعدت نفسي بأني لن أدعها وحيدة وهمست لها وأنا امسك بها في حنان.. هيا بنا نسير سويا في ذلك العالم القاسي حتى تلفنا أنوار النهاية.. ولم نلتفت إلي وراء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.