مصطفى البلكي
اللوحة: الفنانة المصرية إيمان أحمد
نظر حوله، فعرف أن ساحة المركز لم تشهد صخبا، مثل ما تشاهده عيناه، بنظرة واحدة وجد الكل يراقب ما يحدث، السائرون تسمرت أقدامهم، والبيوت المطلة على الساحة، فتحت شرفاتها، وأمام الساحة، تلاصقت السيارات، ترك كل هذا واتجه إلى سور المركز حيث الصف الطويل، وصل جسده به، وفكر. قبل تلك الخطوات، وقبل أن يحمل أوراقه، كان يعرف أن حالة السكون التي عاشها، لا تعنى أنه سوف يستمر إلى ما لانهاية رغما عنه، يكتفى بالتعليقات المقتضبة عن الأحداث، كل هذا يبدو متواريا كلما فكر في الصدفة التي جعلته يتحرك، ويدفع دفعا ليقول إنني موجود.
كانت الحكاية من أولها شائعة أطلقها خفير النقطة، وتم تضخيمها في المقهى الذي يقصده أعيان البلدة.
الخبر لم يكن إلا ملاحظة أبداها أثناء رجوعه من قضاء يوم الحبس الموقع عليه لضبطه نائما أثناء نوبة الحراسة الخاصة به في برج الكنيسة مؤخراً، فقد صادف وجوده معه في سيارة الأجرة، بل كانا في نفس الكرسي الخلفي متجاورين، والمصادفة البحتة جعلته يرى البطاقة الانتخابية بين دوسيه ورقي يحتوي على الأوراق الرسمية التي عانى من أجل الحصول عليه الأمرين، والتي استغرقت شهراً كاملا ليضم فترة خدمته في وزارة التعليم، بفترة فتحه البقالة.
أثناء انشغاله بإخراج المحفظة ليدفع قيمة الأجرة، فارقتها البطاقة الانتخابية ووقعت، فمال والتقطها وأعطاها له، بدوره دفسها بين الأوراق ومن هنا ولدت الحكاية.
رأي الخفير أن يستغلها بطريقة ما في اللحظة التي اقترب فيها من المقهى..
ـ أتفضل يا شيخ الغفر.
وصلته الجملة فأدار رأسه جهة الشمال وجهة اليمين بقصد البحث عن وجه شيخ الغفر، من باب حفظ المقامات، فلما لم يجد له أثراً، نصب طوله، وتقدم شامخاً يتوج كتفه ببندقية نصف آلي، تتجاوز مسورتها رأسه، والمحكم اللف بشال من الصوف.
ركل صورة شيخ الغفر، وتقدم، لم ينس رسم الابتسامة التي يتقن إخراجها لتداعب شفتين ممصوصتين كلما انتوى وأضمر تملق أحد.
مد يد ه لصاحب الدعوة الذي بحركة تمثيلية أوهمه أنه ينوي القيام ليرحب به، وكان عليه إكمال المشهد بأن جعل يده تدوس لتحت، ويتبع تلك الحركة بجملة:
ـ لا والله ما أنت قايم.
أراح البندقية أمامه، ووصله المراد من تلك الجلسة
ـ تشرب إيه؟
سؤال في ظنه لا داع له، فالكل يعرف أن كوب الشاي الثقيل، وحجر المعسل هو ما يتمناه في أي وقت إلا يوم الخميس الذي يحتاج فيه إلي حفنة من البرشام كي تعينه على إدخال الفرحة لقلب زوجته.
ـ أي حاجة.
ـ شاي وتعميرة كفاية ولا عاوز حاجة تاني.
سكت، فصاح صاحب الدعوة مردد الطلبات، ثم التفت إليه، وسأله:
ـ إيه أخبارك؟
ـ عال.
وضرب على كتفه، وسأله متخابثاً:
ـ والصحة؟
ـ بمب.
ـ والباشا؟
ـ ليه يومين مأجز، قال أية ياخد يومين قبل معمعة الانتخابات.
ـ ودي اسمها انتخابات، ما هو اللي عوزينه هو اللي بينجح، يعني جرى إيه؟
هنا برقت بداية الحكاية، وتراءت أمامه بطاقة الانتخاب، وتاريخ الرجل، فقال:
ـ مش ده لو كان زي ما بتقول؟
ـ ليه مش الحزب ليه رجالته؟
ـ وفيه ناس تانيه مابتبصش غير تحت رجليها، ومش داريه باللي بيحصل.
ـ قصدك مين؟
ـ الصاحى.
تلك الجملة مع دخول الليل كانت كالنار في الهشيم، صاحبة الأيدي الممدودة إلى الأكل، وكانت بمثابة الطبق المسلي في المخادع.
وفي الصباح ترك بعض نفر من أهل البلدة كراسي المقاهي التي يجلسون عليها، ومروا بدكانه المغلق بالعارضة، لمحوا التراب الذي تسلق الباب، حتى غاب جزء كبير من لحمه، وكذلك شاهدوا التندة الملمومة وقد استحال لونها إلي لون ترابي كابي، صادف بعضهم تمرجي الوحدة الصحية، من نظرة واحدة أيقن أنهم بربطة المعلم يبحثون عن الصاحي، فقال لهم إنه هناك يتوجه إلي القرية المجاورة، على كتفه عصاه.
يسترد نفسه وهو يتقدم ببطء من بوابة المركز، وتعود الحيرة إليه، فحتى تلك اللحظات يجهل السبب الواقف خلف ما حدث، وإن كان غير مستغرب، يفكر بتلك الطريقة رغم أنه يعرف أن كل شيء هذه الأيام يحدث ويمر بدون أن يظفر الواحد بسبب مقنع يفسر حدوثه، ومروره مرور الكرام تحت سمع ونظر الجميع، فقط كل ما يقدرون عليه أن يضعوه تحت عنوان مراوغ وهو (حوادث عارضة) .
بوصوله إلى البوابة، يجعل نظره بين الطابور الواقف والجنود وسط الفناء وبالقرب من خط الأجساد، ويغمغم:
ـ يعنى هخسر إيه؟
يطول وقوفه، يلتقط شاله الأبيض، يمرره علي وجهه، ليمسح عرقه المنسال في خطوط، ويعود ويعانق الطابور، تشده الوجوه، أغلبها مألوفة الملامح، رآها كثيرا، ينتبه إلى بعضها، فيلمح الخدوش التي بها، فيكف، ويرى أنه من السلامة ترك التفكير، فيخلع عينيه، ويعود إلى الطابور وبدايته، بينه وبين نفسه يردد جملة ( كل واحد حر) وينظر حوله لا يحس بشيء غريب، فكل شيء كما هو، الطابور لم يتزحزح منذ ساعات، عاد الانزعاج يعصف به، ويتحاشى توجيه اللوم لنفسه، وبدلا من ذلك سأل نفسه:
ـ ليه ما مقلتش لع؟
هز رأسه، رغبة منه في رجرجة تلك الأفكار التي لو ظهرت لحيز الوجود، لغيرت من موقفه.
ورغما عنه يعود إلى الوجوه، وأطال النظر في السحن، عرف بعضهم، منهم الملتحي الذى خرج من المعتقل بعد مراجعات أمنية، ومنهم تاجر الحشيش، ومنهم المسجل خطر، ومنهم شباب لا هم لديهم إلا الجلوس في المقاهي للعب الدومينو، ومعاكسة البنات، يبتسم وقبل أن ينزع جسده من الطابور الذى بالكاد تحرك وتجاوز البوابة، إذا بالمأمور يخرج بنجومه الثلاث وبسيفيه المتقاطعين، ويصرخ في الوقوف:
ـ انتهى ميعاد التقدم.
بعد أسبوع عرف ما جرى.
فقد مر الخفير على المقهى، وبنفس الطريقة جلس إلى رجل طلب له شأيا ودس في يده قطعة أفيون، استحلابها مع ارتشاف الشاي، وسأله الرجل عما حدث، ضحك الخفير، وقال:
ـ شغل أونطة.
ـ ازاي؟
ـ ظابط الفرع مر على كل المسجلين خطر، وطلب منهم الحضور صباح يوم التقدم، ومع كل واحد دوسية، أي دوسية، جواه أي ورق، ونبه عليهم بالوقوف في الطابور، قبل شروق الشمس، قوم لما ييجي أي واحد يلاقى نفسه في الذيل، واللي عليهم النية يكونوا جوا المركز، قاعدين مع البيه المأمور بيشربوا الشاي.
بعدما عرف، لم يقل شيئا، وحينما استفسروا عن الدوسيه، أخرجه من بين هدومه، وحينما فتحوه، وجدوه محشوا بورق الجرائد، نظروا إليه، فأخفى وجهه بين يديه، وبكى.