ريما إبراهيم حمود
اللوحة: الفنان الهولندي توماس كوبيرا
صورة تظلّ تعود إليّ، أهزّ رأسي لأمحوها، أفتح التلفاز تفاجئني، أتصفح (الفيسبوك) أجدها تحتل الكثير من الصفحات، يرن هاتفي فأجدها بشرح يطول في الواتساب.. دامية وحشية مريعة خانقة ومقلقة، يطلّ منها طفل مذبوح بعينين معلقتين على وجه قاتله.
أفتح الكتاب الذي بدأت قراءته منذ أسبوعين ولم أتجاوز صفحته الخمسين فأجد صورته تركض بين الأسطر، تبعث الفوضى في السطور فلا أفهم منها شيئا، أمسك السكين الكبيرة، أقطّع الطماطم فأكتشف أنني أعملها في رقبته، أرمي السكين على اللوح الخشبي فزعة، ألجأ إلى الصالة فيفاجئني مذبوحا أمامي على أرضيتها، دمه يتدفق من عنقه يركض حتى يتوقف عند قدمي، أتعثر بقدميه، بيديه حين أحاول أن أتجاوزه إلى المقعد، أملأ دلوا بماء و مطهر نافذ الرائحة، أدعك الأرض مرارا، أختنق، ولا يختفي دمه.
أدسّ رأسي في أغنية راقصة مزعجة ما أحببتها يوما، أهزّ رأسي أجاري إيقاعها، أنقر على الطاولة، لا يختفي الطفل ولا تزول الرائحة.
استقبل أطفالي عائدين من المدرسة، أحتضنهم، أتحسس رقابهم، أقبّلها، أبتلع دمعي سريعا، ضجيجهم يعلو، ألعابهم منثورة في كل مكان، وجهه وعيناه يحتلان الزاوية البعيدة عنهم من الصالة.
أنام بعد يوم دام به، أراه في الحلم يحدق بي، أراني في عينيه المطفئتين عليّ، أصرخ به:
- لم أقتلك، لا ذنب لي.
لكن عينيه معلقتان على وجهي، رقبته تنزّ دما حارّا يتسلق قدمي إلى رقبتي.
أفزع، أجلس في فراشي قلقة، ألجأ للتلفاز، أفتحه، يركض كل الأطفال المذبوحين إليّ بلا أذرع، بلا أقدام، بلا أعين، بلا رؤوس، يلتفون حولي، أغيّر القناة، أتوقف عند شاب راقص قافز بصوت نشاز، أرفع الصوت، يقف الأطفال حولي ذاهلين، يحدقون بي، أتجاهلهم وأرفع الصوت أكثر، يخزني أحدهم في كتفي، يضع آخر ما تبقى من رأسه في حجري، أرفع الصوت أكثر، فأشعر بدمائهم حارة لزجة تنساب تحت قدميّ، أرفعهما عن الأرض، تقترب طفلة بدماغ مكشوف تضع رضيعا بين يدي يبكي بحرقة كلما علا صوته تدفق خيط دم رفيع من مكان رصاصة استقرت في رأسه إلى يدي إلى ثوبي.
أرفع الصوت أكثر، أهزّ رأسي طربا.. أتمايل، أردد اللحن مع المغني، يبدأ الأطفال في الانسحاب، تأخذ الطفلة الرضيع من بين يدي، يرفع الصغير رأسه عن حجري، يبكون، يمسحون دموعهم بأكمامهم، بقمصانهم، يرتفع عويلهم، أهزّ كتفي لامبالية، أرفع الصوت أكثر فأكثر، أهلع حين يسحب جهاز التحكم من يدي صارخا بي:
- ما بك؟ أجننت؟ الأطفال نائمون، اخفضي الصوت، عودي للنوم.
ينسحب شاتما جنوني، أطفئ التلفاز والأضواء، أعود إلى سريري، ليعود كل الشهداء إلى احتلال وسادتي، وأنام أنا برأسي معلقا في الهواء.