د. هشام منصور – جولييت المصري
اللوحة: الفنان اللبناني مصطفى فروخ
ومر مساء يشبه كل المساءات، لا شيء غير الليل، وصرصرة الجندب تملأ الكون ضجيجا، يحاول أن يخرج من رتابة نوبة الحراسة، يحلق بعييييدا، كطائر يحط على أغصان الخروبة العتيقة التي تقف في تحد للزمن وأحداثه، مطلة بشموخ من فوق التلة المواجهة للبحر، وكأنها تعاتبه وتنهره في آن، فهو الذي سرق الأحبة، غيبهم خلف أمواجه في ضفاف بعيدة يصر أن يحجبها بهديره، ولا يخبرها أبدا متى يردهم.
في صحبة بنات آوى
اقترب منها على مهلٍ خاشيًا على أعشاب الرّزين من أن تتعثّر بخطواته بينما ترفع أوراقها نحو السّماء تحيّة لشمس الصّباح. ومع كل خطوة كانت قطرات ندى الفجر ترصّع حذاءه القديم الذي حمل ثقله ليلةً أخرى بين الكروم وحقول الزيتون العتيق.
- منذ طفولتي وأنا أراقب الشمس تشرق من خلف الجبال وأحلم بيوم أزورك فيه فأراها تشرق من خلف البحر. أنا وأنت والشمس نستقبل معا لون الصباح وعاصفة العطور، ولكن أين هي العصافير، لماذا أرضك صامتة هذا الصباح يا خروبتي، هل رحلت باكرا مع الريح؟
- فيّئيني بأجنحة أغصانك قبل استيقاظ غيوم الجراد. ها هي قادمة من الجنوب تسابق مراكب العائدين إلى الوطن، إلى فراغ التاريخ واستراحة الأزمنة.
- لم أسهر الليلة وحيدًا، فقد آنستني صحبة سائحتين من بنات آوى، حكيمتان أتتا من الهند برفقة ثعلب من صحراء أفريقيا يتكلّم الفرنسيّة ويبحثون عن أمير صغير مفقود. تبعوا آثار أقدامه بين سنابل القمح الخاوية ههنا في هذه الحقول. أخبرتهم أنه سهر معي مساء أمس. شربنا معًا نخب العذارى الراقصات بين أشجار الزيتون، وعلّمني لغة الورود قبل أن يمتطي سرب فراشات مهاجرات إلى القمر. لا أريد أن أذهب إلى القمر، أريد أن أجلب القمر إلى هنا، إلى أفيائه في أفيائك، إنتظريني غدا فسأحضره معي في قعر فنجان شاي.
حين نادتك السفينة
لماذا سمعتَ صوت البحر وتركتني؟ خطفَتك السفينة لبلادٍ بعيدةٍ، آه ياحبيبي، مرت الأيام وأنا أنتظرك كل يوم علّك تعود، هنالك، فوق التلة، تحت شجرة الخروب العتيقة، كنت تحب الجلوس فوق ذلك الحجر الأحمر وأنا أجلس قبالتك، تعزف لي على القصب لحننا الشّجي:
ياطيرة طيري ياحامة..
وأنزلي بدمّر والهامة.
جيبي لي من حبي علامة.
هالأسمر أبو الخال.
أنا على ديني
جننتيني.
على دين العشق حرام والله.
أقول: ما أجمل لحنك! تقول: إنه لحن مولانا أبو الخليل القباني.
وتظلّ تحدثني عنه وعن موسيقاه حتى غار قلبي، أرمقك غضبى: تحبّه أكثر منّي!
تلكزني في كتفي: هو فيه مثلك إنت ياغزالة؟ إنت غزالة قلبي اللي مافي مثلها بالدنيا كلها.
أبتسم خجلى في دلال، يخطفك مني صوت هدير البحر وبوق السفينة، تركض ناحيتها تحت التلة.. أنادي عليك بأعلى الصوت: يونس وينك رايح وتاركني؟ تشير من بعيد.. انتظريني!
وهاأنذا آتي كل يوم في موعدنا، عندما تميل الشمس للغروب، أنتظر أن ترسو بك السفينة، أن تصعد التلة، ويطل وجهك من بين الأحراج قادما إلي، تحمل القصب في يسارك، والمؤن التي حلمت أن تجلبها لإخوتنا الجوعى في يمينك، أتسمع عزفك.. تعال، لن أغار من القباني ثانية، أحبه كما تشاء لكن عد إلي، عد إلي يا حبيبي، أخاف ألا يلفظك البحر على شاطئي ثانية، أجلس قبالة حجرك الأثير، أطالع الطير الذي يحلق عائدا لعشه فوق شجرتنا، أناجيه بحشرجة مبحوحة، وأوصيه كل مساء:
ياطيرة طيري ياحامة..
وأنزلي بدمّر والهامة.
جيبي لي من حبّي علامة.
هالأسمر أبو الخال.
خطوات حائرة
لا زالت أعشاب الرزّين هنا، يُثقلها بعض من النّدى وبعض من وطأة قدم تائهةٍ عَثَرت بها دون انتباهٍ ربّما.
- صباح الخير يا خرّوبتي العتيقة، هل استيقظت أم لا زالت أوراقك تحتضن ضوء القمر وتلاعب نسيم الدّجى؟ لم أستطع إبقاء القمر في فنجاني، استردّته منّي السّماء على غفلةٍ عند الهجيع الثالث من الليل.
- حقولنا قاحلة في هذا الليل يا سيّدتي الخرّوبة، وكرومنا خاوية تعصر خمرة شوقٍ لشروق الشّمس القانية.
- ماذا لديك هنا؟ هذه الآثار لا تشبه آثار أقدامي، أنيقةٌ خفيفةُ رشيقةُ، حائرة تدور وتدور ترسم حولك حلقات من الزمن. هي قلقة مثلي هذه الآثار، وتعشق القلق. أتُرى صاحبتها تنتظر مجيء سفينة المساعدات مثل سائر أهل القرية؟ أنت ترين الخليج بسهولة من فوق أيتها الخروبة العجوز، أخبريني هل وصل الآتي؟ الذي لا يبطئ، هل هو على متن تلك السفينة، هل هو آتٍ ليأخذنا أم ليسكن معنا؟ أخجل من دعوته لينطر معي الكروم في الليل فالأغصان خالية من العناقيد هذا العام. ماذا سأقدّم لهذا الضيف حين يصل، لم يعد لديّ في جعبتي سوى حديث صادق وبضع من قصص بنات آوى الحكيمات، أقصّها عليه فأنسيه تعب الرحلة. ولكنّ قصصي حزينة، كقصص الأكواخ التي لا تغامر فيها الشّمس، أكواخ أهلها جائعون، ينتظرون مجيء السفينة؟
قلوب معلقة على جزع خروبة
هذي أنا أيتها الخروبة، ألقي رحالي تحت قدميك كل مساء، أحدّق في أوراقك دائمة الخضرة كقلب حبيبي، أتكئ على جذعك الحنون، فتهيج الذكريات وتطوف بي الشجون، هنا في قلب لحائك العتيق، نحت حبيبي قلبينا، وكتب اسمينا بدمه، معاهدًا روحي ألا يغيب عنها، قلت: لا أعرف القراءة يا يونس، قال سأعلّمك حتى تصبحي بلبلًا، لكن البحر دعاه ليركب سفينة المؤن، وها هو حنث بعهده.
آه يا شجرتنا الحنون، من كان يدري أنّ في الأفق حربًا تلوح؟ وسيتخطفنا الخوف والجوع ويعضّنا الفقر بنابه، فيبقى من بقي ويرحل من لم يتحمّل وطأة الحياة، الموت حصدنا، ورجالنا رحلوا للبحث عن مخرج، وأنا آتيك قبيل كل غروب لعلي أجد بحضنك حبيبي، وأنت تسمعين شكواي، ولا تملّي من ترداد حكاياي، أذرف دمعي السّخين وأصرخ ألمًا ولوعة، فتدنين عليّ من ثمارك الحلوة لعلي أستعين بها على ابتلاع العلقم، فيا لنبلك الآسر، وحنانك الطاغي، لكن الشمس تغيب كفرحتي، ومن خلفك تهجم الظلمة ككآبتي، فأحمل ثمارك في سلتي وأعود أدراجي خائبة إلا من وجبة من عطائك تسكت البطون التي تتضور جوعا، بينما أبيت ملتحفةً لوعتي حتّى تشرق الشّمس فتمنحني أملًا جديدا وقوة تسوقني إليك كل مساء.
رسائل يحملها الأثير
وكان مساء وكان صباحٌ يوم آخر.
جميع الأعشاب يبست هذا الصباح لكنّها لا زالت رطبةً ومنحنية نحو التراب.
- هل هذه شمس الصّباح أيتها الخرّوبة؟ هل هي حقًّا حمراء؟ أم هو نذير كوكب عابرٍ على رصيف المجرّة؟
- آثار الخطوات ليست دائرية هذا الصباح. إنّها تتبع انحدار التّلّ نحو البحر. هناك آثار أقدام متعدّدة، هل رحلوا جميعهم نحو البحر؟
- بربّك اسألي ذاك الدوريّ على غصنك الأعلى هل لازال يرى ملامح موكبهم قبل أن تبتلعه الشمس؟
- غدا صباحًا لن أزورك يا حبيبتي بل سأكمل طريقي نحو البحر، لا لن أذهب لأنتظر السفينة، سأنزل متأبطًا شبكة أصطاد بها كلّ أشكال البشر آخذهم معي إلى هناك، إلى قلب المغامرة، إلى أعماق اليم، فأعود بجواهر المراكب وكنوز القراصنة وهدايا العشاق الذين يستكينون في صمت المواكب اللامنظورة التي تحرس شاطئنا، هناك حيث يرتطم صراخ ضحايا البحر بضجيج كؤوس الآلهة، فتسقط البراقع عن وجوه بنات الشاطآن، فإذ هنّ بنات آوًى حكيمات ينطقن بألسنة المعرفة.
- هو هناك الذي يأتي ولا يبطئ، إنّي أراه عند ذلك الشاطئ يهيّئ البحر لاسترداد اليابسة من أيدي التّنين. هلمّي معي نسير إليه، لعلّه يعطينا القمر، قمرا بهيا بهيجا، غير ذلك القمر الحزين الذي تصاحبيه كل مساء.
أسامر الخروبة في غيابك
مر الشتاء ياحبيبي، وانقضى ربيع من عمري، والآن يودعنا الصيف ليفتح الخريف أبوابه، وما تزال خروبتنا التي شهدت عشقنا، وحفظت أسرارنا، هي الشجرة الوحيدة التي تزهر آخر الصيف وتهدينا في الخريف ثمارها، فلا الأوراق تسقط، ولا خضرتها تفارقها؛ وتبقى دائما أبدا شجرة الخروب الخضراء.
ألهذا نقشت قصتنا على جذعها؛ لتبقى خضراء مزهرة أبدا؟ ألهذا كنت تصر أن يكون لقاؤنا دائما في ظلها، لتسمع وترى وتعي وتحفظ ذكرياتنا؛ لتعيدها إلينا عندما نشيخ وتبقى هي بنضارتها، فنورثها أحفادنا؟ ألهذا أوصيتني وأنت تلوح مبتعدا أن ألتقيك هنا؟ أنتظرك كل يوم حتى تعود؟ إنها الدليل الذي سيبقى لنتعارف في ظله إن مضت سنوات العمر وجعد الزمن ملامحنا فبتنا لا نعرف وجوهنا؟ آهٍ أيها المخادع، كنت تعرف أن رحلتك بلا عودة، فلماذا علقت قلبي هنا وذهبت؟
آه يا خروبتي الشاهدة، أتيتك مثل عادتنا كل يوم، ألوذ بك، أسامرك عنه، ها هو ظلك يستطيل مودعا الشمس نحو الغروب، وذراعاك المخضرتان ترتفعان للسماء في دعوة أبدية، أسمع نبض قلبك، وأرى وجهك المخضل بدموع الأسى عليّ، تهمسين لي بحب: إنه سيأتي، كيف لعاشق مثله أن ينسى أو يغيب؟ تسرين لي بمدى حبك لنا، وإشفاقك علينا، وكم تحنين مثلي إلى أنين نايه إذا حزن، وزغردته وقت الفرح، تشتاقين إلى كركراته وهو يجذبني راكضا فوق العشب، يحتضنني في رقصة صاخبة وأنا لا أستطيع مجاراته، فأسقط على الأرض، يحملني بين ذراعيه ويدور بي؛ فتحلق بهجتي في دوائره.
يا حبيبي، أعرف كم تعشق لون الحناء في كفي، فهاهما مفتوحتان إلى السماء، علَّ شجرة الحناء النابتة فيهما ترسل إليك عبيرها فتحن إلي، إلى شجرة الخروب العتيقة التي نعلق عليها أحلامنا، نربط في أطرافها مناديلنا التي نتركها متعمدين كل لقاء حتى نثبت أنها ليست للفراق، سأصنع من أوراق شجرتنا مظلة، ومن ثمارها مئونة، وأعلق قلبي على أغصانها أرجوحة لك فتعال، علم الموج أغنية الحب التي عشقتها فعشقتك، عله يرأف بي فيحملك إلي، إني في انتظارك؛ كي نرسم تحت أقدام خروبتنا عالمنا الجديد.