اللوحة: الفنان المصري محمد طوسون
ثم صارت بمرور الوقت أواصر صداقة متينة بيني وبين “أبو العز” بعد أن كانت فاترة حذرة تقوم على نظرة تحفّز من جانبه ومناورة قلقة من ناحيتي، بعدها إن رآني من بعيد يُقبل باش الوجه، يفرد نصف ابتسامة على وجهه وهو من قيل عنه أنه لم يبتسم في حياته إلاّ ثلاث مرات،على رغم أن عمره وقت أن عرفته كان فوق السبعين بسنوات قليلة.
ولأن المعلومة هي مصدر حياة الآن كما كانت في الماضي، فقد اتخذت من “أبو العز” مُدخلًا أعرف من خلاله ما يغمُض عليّ، أداة لتسهيل كثير من الصعاب، ما أكثرها بدراسة الحقوق، من ناحيته لم يبخل بمعلومة أبدًا، كما لم يتوان عن السعي وراءها خدمة صافية ليّ.
على أنّي لم أكن التقيه إلاّ أيام معدودات في العام الدراسي نصفها في الفصل الدراسي الأول والثاني بنهاية العام الجامعي، كنت أراه يقف على أعتاب الكلية ينظر الوفود الداخلة من الطلّاب بعين قلقة كأم تبحث عن صغير تاه منها وسط الزحام، فإن رآني أنطلق يتأبط صندوقه، يرحّب ويغمغم بحديث لا يعرفه إلّاه، ثم يهمس باذني بما يشاء له من أسرار، يعرفها بحكم موقعه وقدرته على ولوج الأبواب المغلقة.
كلمات مقتضبة وشفرة غامضة لا يسبر أغوارها إلّا أنا وهو، همس أجزم أن الشياطين لا تسمعه إلاّ أنه كان يقع بأذني كلحن شجيّ، تلك اللحظة تتغيّر لديّ الأمور بعض الشيئ، ينجلي بعض الغموض، فأنكب على وريقات أنهل منها بتركيز بعض ما سقط منيّ بإرهاق العام كله أو ما أفلت من القريحة.
أوشكت سنوات أربعة أن تنقضي حين التقيته للمرة الأخيرة، وضع صندوقه الخشبي على الأرض وانطلق في مهمته المقدسة التي طالما قالي ليّ: أنها شاقة على أعتى الرجال ولا يطيقها إلاّ من ملك زمام الأمور وأدرك ما لا يدركه إلاّ العاقلون، كان “أبو العز” يؤدي عمله بهمة ونشاط، يعلو وجهه صمت وقد غابت نصف ابتسامته، لم يرفع بصره ناحيتي وقد شاغبته فأبى واعتصم بعتمة بداخله، فلمّا يأست من زحزحته عن موقفه نقدته ثمن تلميع الحذاء وزدتُ في كرمي معه، حينها التقت عينانا، فتح فمه بعبارة من كلمتين لا ثالث لهما ثم غاب عن الوجود مخلّفًا وراءه ظلام كليل بهيم وقال: احذر من “الاحتلال الحربي”
ناديته وهو ينطلق بسرعة غزال شارد خلف مباني الكلية العتيقة: ماذا تقصد؟ فأشاح بيده، وتلك كانت المرة الأخيرة..