حانة الشعراء
لوحة «فتاة أمام المرآة» للفنان الإسباني بابلو بيكاسو
ماذا تعكس المرايا من دواخلها؟ هل يمكن للمرآة أن ترينا أنفسنا؟ أم أننا نرى كوائن أخرى غير حقيقة ما نكون عليه؟
في كل مرة تنظر إليها ترى وجها آخر غير وجهك الحقيقي، لذا عليك أن تنتبه لمراياك حتى لا تفقد حقيقة روحك.
يقول محيي الدين بن عربي:
وما الوجه إلا واحد غير أنه
إذا أنت عددت المرايا تعددا
فماذا قال الشعراء عنها أيضا؟
يقال إن أول من ذكر المرآة في شعره من شعراء العرب هو ابن العجلان النهدي (ت 50 ق هـ) وقد وردت في قوله:
أَتَتَ بَينَ أَترَابٍ تمايَسُ إِذ مَشَت
دَبِيبَ القَطَا أَوهُنَّ مِنهُنَّ أَقطَفُ
يَـبَـاكِـرنَ مِـرآةً جَلِيًّا وَفَارَةً
ذَكِـيًّا وبالأَيدِي مَدَاكٌ وَمِسوَفُ
ويقول الأعرج المري الجاهلي:
فَـإِن أَنـتُـمُ لَـم تَفعَلوا فَتَبَدَّلوا
بِـكُلِّ سِنانٍ مَعشَرَ الغَوثِ مِغزَلا
وَبِالدِرعِ ذاتِ السَرد دَرجاً وَعَيبَةً
وَبِالسَيفِ مِرآةً وَبِالقَوسِ مَكحَلا
ويذكرها حميد بن ثور الهلالي في استهلال قصيدة له إذ يقول:
لَـقَـد ظَـلَمت مِرآتَها أُمُّ مالكٍ
بِـمـا لاقتِ المرآةُ كانَ مُحَرَّدا
أَرَتـهـا بِـخدَّيها غُضوناً كأَنّها
مَجَرُّ غُصونِ الطلحِ ما ذُقنَ فَدفَدا
ويصفها سويد اليشكري بقوله:
تَـمـنَـحُ الـمَرآةَ وَجهاً واضِحاً
مِثلَ قَرنِ الشَمسِ في الصَحوِ اِرتَفَع
صـافـي الـلَـونِ وَطَرفاً ساجِياً
أَكـحَـلَ الـعَـيـنينِ ما فيهِ قَمَع
وقد رآها بعض الشعراء تكشف عن سوءاتهم وما جنوه في شبابهم فارتد إليهم في المشيب، وكأنها الضمير الحي، من ذلك قول ابن حمديس:
قال الكواعبُ قد سعدتَ بوصلنا؟
فَـأَجـبـتها وبِهَجركنّ شقيتُ
كـنْتُ المُحبّ كرامَةً لشَبيبَتي
حـتى إذا وَخَطَ المَشِيبُ قُلِيتُ
مَن أَستَعينُ بِهِ على فرط الأسَى
فـأنـا الذي بجنايَتي عوديتُ
كـنـتُ امرَأً لم أَلقَ فيه رزيّةً
حـتـى سُلِبْتُ شبيبَتي فرُزِيتُ
تهدي ليَ المرآةُ سُخْطَ جنايَتي
فَـاللَّه يعلمُ كيف عنه رضيتُ
ويقول الصنوبري:
يـا لـمةً أخْلَقَتْ من بعدِ جدَّتِها
فـلـلـمشيبِ على حافاتها رُقَع
أُقطِّعُ الطَّرْفَ في المرآةِ منْ فرَقٍ
إذا تـراءَتْ له في مَفْرِقي قِطَع
ويقول الطغرائي:
لـقد بغَّضَ المرآةَ عنديَ أنَّها
تطالعُني بالشيبِ من كل جانبِ
أما فتيان الشاغوري فيقول:
قَـد كـانَتِ المِرآةُ فيما مَضى
تُهدي إِلى عَيني الشَبابَ الحَسَن
وَالآنَ قَـد صِـرتُ أَراها وَقَد
كَـحَّـلَـتِ الطَّرفَ بِشَيخٍ يَفَن
قُـلـتُ لَها أَينَ الَّذي كانَ مِن
قَـبـلُ فَقالَت لي مَحاهُ الزَمَن
ذلك طرف من شعر القدماء، ولنا وقفة أخرى قادمة مع المرآة في شعر المحدثين.