تشيخوف.. رسام الكلمات

تشيخوف.. رسام الكلمات

للكاتبة الروسية مارينا فالكارسل

ترجمة أحمد فاضل

اللوحة: بورتريه لانطون تشيخوف بريشة الفنان الروسي أوسيب إيمانويلوفيتش براز

طوال عام 2013، بعد أن مُنحت أليس مونرو جائزة نوبل للآداب، كان من المستحيل ألا تسمع أحداً يقول إن أنطون تشيخوف (1860-1904) هو «أبو الأدب الحديث»، لذا قررتُ قبل بضعة أسابيع أن أجلس وأعيد قراءة «السهوب»، ووجدت نفسي مرة أخرى مع شعور غريب وغير مريح بداخلي، كما لو أن شيئاً ما بقي هناك، في أعماقي، غير مهضوم.

تدور الرواية المؤلفة من 150 صفحة حول رحلة طفل فوق السهوب الأوكرانية حوالي عام 1880، بالنسبة لتشيخوف، كانت الروح الروسية شيئاً يعتمد على العزلة التي لا مثيل لها في المناظر الطبيعية للسهوب، وهو شيء أراد أن يصفه ببطء، تدريجياً، كما لو كانت لوحة فنية تكشف عن نفسها، هي عملية إبداعية يمكن للمرء أن يصفها بأنها لوحة مكتوبة، لكن هناك تساؤل: 

«كم عدد الرسامين ومخرجي الأفلام الذين استطاعوا نقل الأحاسيس المقنعة لكاتب مبهر مثل تشيخوف»؟

الأبطال الحقيقيون في الكتاب ليسوا أشخاصاً، بل الأوصاف الحية والمناظر الطبيعية، وبصرف النظر عن هذه العناصر البارزة، فهي قراءة بطيئة بشكل عام مع القليل من الحركة، فإذا لم يحدث أي شيء، فكيف نفسر تأثيره على القارئ المعاصر؟

إنه سؤال وثيق الصلة بالموضوع، لا سيما في عصر السرعة، والحمل الزائد للمعلومات، وتوقعات المحتوى المعقد والمتقن للغاية. في خضم الأفلام الأخيرة الحائزة على جائزة الأوسكار حول العلاقات بين الرجل ونظام العمل السائد في كل مكان، أو القلق الكامل من حدوث خطأ في مهمة فضائية، ما الذي يمكننا أن نأمله في الخروج من كتاب تصف سطوره الافتتاحية رحلة طيران الحباري؟ لماذا تأثرنا كثيراً بوصف الوقت الذي يمر صباح أحد الأيام في الريف، وكأنه «امتد إلى ما لا نهاية، أو توقف تماماً»؟ هنا يجعلنا المؤلف متحمسين لرؤية كيف كشف عن تدهور المجتمع الروسي في نهاية القرن التاسع عشر من خلال تصرفات كاهن عجوز، «الأب جريستوفور لم يشعر أبداً بالقلق الشديد لدرجة أنه يشد روحه مثل الأفعى».

يمكن العثور على مزيد من الإجابات على هذه الأسئلة من خلال إجراء أوجه تشابه مع عالم الرسم، عندما ندرس لوحة الرسام الهولندي جان فان إيك «صاحب العمامة الحمراء»، فعلى سبيل المثال نبدأ في النظر إلى كل خصلة من شعره على الرقبة، وندرس العين عن كثب، ونكتشف حتى قطرة دم صغيرة فيها، إنها صفعة عقلية مماثلة لتلك التي نختبرها عندما نتفحص «صورة الرسام الشاب» للرسام البريطاني الراحل لوسيان مايكل فرويد، وإذا نظرنا إلى نطاق أوسع، فإنه يشبه أيضاً «تأثير الإعصار» الناجم عن رسائل تشيخوف (أو حتى ثورو)، على سبيل المثال، أو روايات ديفيد فورستر والاس.

ربما يكون مجرد حقيقة أن كل هذه الأعمال الفنية يمكن لها أن تأتي من مكان عبقري واحد، لقد تركوا لنا جميعاً نوعاً من اللدغة في زاوية من منطقة ما تحت المهاد لدينا، وهو شعور قوي وغير مريح يصعب التخلص منه، نحن مفترسون للعواطف ونتعرف على صيدنا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.