د. محمد جابر لطفي
اللوحة: الفنان الإنجليزي فريدريك جودال
أنظر إلى بئر الزمن، أراه وهو يمتلأ حتي يفيض بالأماني، انتظرت حتي اهتز وكأنه يفكر وإذا به يهبط سريعا إلى قاع ملئ بالآهات، التفت إلى ما معي من متاع أبحث عن شيء ألقي به داخل ذلك الجب الذي ترتع فيه الأقدار، وبعد حين لم أجد إلا نفسي التي كانت ترقبني من بعيد، وإذا بها ترنو إلى في توسل يفتت القلوب، لم ألتفت إلى تلك المعذبة ورميت بها وكأنها حجر من سجيل، وجلست أنتظر حتي سمعت صوتا أعرفه، كانت روحي تصعد بئر الأقدار في مشقة، اقتربت مني وأبانت ماكنت أخشي رؤيته، وأشارت إلى بعيد، .ومددت بصري إلى ماض سحيق.
كان يوما مهيبا ارتديت ثيابي علي عجل.. ألقيت بحقيبتي علي ظهري وانتعلت حذائي الجلدي وأغلقت باب الحجرة الرثة ثم انطلقت مسرعا، كان اليوم هو آخر اختبارات الكهنة الجدد في المعبد الكبير في طيبة مدينه الألف باب.
أنفقت زهرة شبابي خمسة عشر عاما في ذلك المعبد أتلقي علوم الأوائل ومن قبله عشر سنوات في بيت الحياة* المجاور لبيتي الفقير في حي كاد الزمن أن يغلفه بالنسيان. كنت حليق الرأس بدينا علي غير عادة الكهنة لا أستطيع أن أعدو كباقي زملائي لي علامة وحيده في وجهي تلك هي الابتسامة الواهية المرسومة علي شفتي منذ عقود والتي عوقبت بسببها عدة مرات من الكهنة الكبار.
لم ألتفت كثيرا إلى الباعة في السوق ولا إلى النسوة اللواتي كن يتعاركن أو الأطفال العراة الذين كانوا يعدون من حولي كان كل ما يدور برأسي العارية هو أن أصل إلى المعبد في موعدي، أخذت أردد تعاويذ صغيرة كي تساعدني في نهب الطريق سريعا لكنها لم تفلح إلا في اختفاء بعض أحجار الطريق، وصلت أخيرا إلى بوابه المعبد الذهبية وقدمت اللوح النحاسي الذي يظهر إسمي واسم الكاهن المعلم الذي رباني.
دخلت إلى قاعة الدارسين ثم إلى قاعة الكهنة الجدد ثم أخيرا إلى حجرة معلمي الذي كان يمقتني أشد المقت وكنت لا ألومه علي ذلك، . قابلني بابتسامة صفراء اعتدت عليها وأمرني بالاغتسال وتبديل ثيابي فامتثلت وأخذ بيدي كالطفل وأحاط عينيّ بقماش أسود كثيف وسار بي عده خطوات وسمعته يهمهم وهو يشكر آلهته علي الخلاص من مهمة الإشراف علي أبله مثلي كما كان يدعوني، .. انفرجت شفتاي عن ابتسامة ليست بصفراء كنت أدرك أن وجه معلمي قد إزدان بسحب سوداء وأبرقت عيناه في غضب إذ كان يكره تبسمي بلا سبب لكنه لم يكن يعرف أني أضحك في صمت لأدع نفسي تنظر من خلف قضبان ذلك العالم الذي لا يلين، ، انتظرت طويلا حتي سمعت من يردد إسمي ذلك لكي أتقدم سبع خطوات وانتزع العصابة السوداء من فوق عينيّ فعلت ذلك في هدوء لأجد نفسي في غرفة صغيرة شاحبة بها تسعة من الكهنة الكبار يلبسون ثيابا كتانية بيضاء رؤوسهم ليس عليها ما يسترها وهم ينظرون إلي جميعا في إصرار عجيب.
لم أهتز إذ كنت أدرب نفسي لهذا الموقف منذ خمسة عشر عاما لكني لم أجرؤ علي ارتداء تلك الابتسامة القاتلة بل تركت وجهي عاريا تعبره سحابات من أحزان العمر، .كنت أعلم أنهم لن يسألوني عما درست لأنهم يعلمونه جيدا إذ كان كل ما يجري في المعبد يسجل بأدق تفاصيله حتي السعال والالتفات يكتب في أوراق من بردي. كان الاختبار لكبار الكهنة وليس لي، من الذي سوف يتكفل بي في العشرين عاما القادمة، .أمرني أحدهم بأن أتفرس في وجوه الكهنة التسعة بعمق وبدون ابتسامات من أي نوع فعلت وأنا أهتز من الانفعال كانت وجوه نحيفه متهالكة لهم أعين تنفذ إلى ما وراء جدران الروح وكأنها تخبرك أنها تعرف عنك ما يفوق علمك عن ذاتك حتي توقفت عيناي عند كاهن ضئيل وتمنيت ساعتها أن أعبر تلك العينين في سلام ولم أفلح أبدا، ثم دق جرس نحاسي صغير وانصرف الكهنة جميعهم إلا صاحب العينين الناريتين الذي أمرني بالجلوس علي ركبتي وقد فعلت، لم يتكلم أبدا اشار إلى وقال بلا صوت أظهر علامة القتل علي شفتيك فهي لن تجدي نفعا هنا، . أشاح بوجهه الذي ترهبه الأيام وانصرف ومنذ ذلك اليوم أدركت أن أسوار روحي قد ابتهجت بقدوم وافد جديد.
مرت الأيام وتبعتها الليالي كالأحلام التي لا تريد أن تفيق حتي أخبرني معلمي أني سوف أرحل إلى بلاد بعيده في مهمة لجلب الأشجار التي كنا نستخدمها في صناعة توابيت العالم الآخر. تماوجت نفسي بخليط من بهجة وخوف إذ لم أغادر مدينتي قط، لكن روحي كان تهفو لقراءة صفحة جديدة من كتاب الأقدار.
كان الزورق يتهادى علي صفحة النهر المقدس والبخور الثمين يتصاعد من مقدمته بينما كانت الترانيم العتيقة تملأ أركان الفضاء. كنت مأخوذا بذلك كله و أنظر إلى كل ما تقع عليه عيناي مشدوها ولا عجب وقد كانت تلك أول مرة أخرج فيها من المعبد الكبير وأذهب عبر البحر الأخضر الكبير إلى تلك الأرض القاصية وأغادر الجنة الأرضية التي كنت أدعوها بلادي.
بعد أيام طوال وجدتني أنظر إلى أرضي الخضراء وهي تتباعد سريعا حتي أحاط بنا بحر كبير بلا شطآن، كنت أرقب الموج وهو يحنو تارة ويتوعد تارة أخري. وأخيرا ظهرت الأرض الموعودة نظرت إليها طويلا وامتلأت روحي قلقا وفزعا وريبة ولم أنتبه حتي دعاني زملائي إلى النزول واللحاق بهم. وجدت أناس ينتظروننا في لباس غريب ملون ودعونا في رهبه لكي نمتطي عربة تجرها أربعه خيول سوداء كأنها تماثيل صنعت من جوف الليل.
في الصباح التالي ذهبنا إلى جبال عالية تكسوها ثلوج بيضاء، كنت أسير وعيناي لا تملان من التهام صنوف الجمال الذي كان يمرح من حولي، اللون الأخضر الذي كان يسكن كل شيء.. نهر رقراق ينعكس عليه ضوء الشمس الذهبي ليضع أكاليل من بهاء علي الأفق البعيد. ثم مررنا علي مروج تلهو فيها رياحين ذات ألوان وأحلام ، حتي رأيتها، كانت تقف في سكينة تجمع ورودا ورياحين. نظرت إليها طويلا وتتبعت خطاها حتي وجدتها تجلس في زاوية الطريق لتبيع تلك الزهور، ذهبت إليها وكانت عيناي تتنقل فرحة بين وجناتها وتلك الرياحين، اشتريتها كلها، لملمتها بين طيات نفسي وذهبت ووجهي يلد ابتسامة بها كل الألوان، تبعتني بنظرها شاكرة ثم تاهت بين أمواج من البشر.
أصبحت أذهب إليها كل صباح أبتسم و أشتري ثم أبتسم و أشتري ، كنت أرقبها وترقبني، تبعتها حتي الكوخ الذي كانت تسكن مع أبيها فيه، علمت أنها بلا أم وأخبرتها أني بغير أب ولا أم، ثم تداعت الكلمات وتقاطرت المعاني حتي نبت الحب والشوق والأمل.
وكما تأتي الأقدار تسوق البهجة كانت ُتدْبِرُ في جفاء، وتكشف وجه الفراق، .جاء اليوم الموعود وانتهينا من شراء الأشجار وتأهبنا لمغادرة ذلك الفردوس الحالم. كانت نفسي ملتاعة تخشي الرحيل ، تنظر إلي يعتصرها اليأس وتمسك بتلابيب الأمل، لكني اخترت أن أنظر إلى صفحات من كتاب القدر، إذ كان علي أن أختار هل أبقي هنا لأصبح فلاحا منبوذا يعانق الاغتراب في قرية نائية في بلد بعيد، لكني سوف أحيا وقلبي يسكنه عشق لا يعرف الزيف و ابتساماتي قد أصبحت مولودا شرعيا بعد نكران طال عهودا، أم علي أن أّنْهَرَ نفسي الطائشة وأردها إلى صواب الاعتياد؟ كان كل ما أعرفه يحيا بعيدا، وكان كل ما أريده يناديني ويطالبني بمواثيق الغرام.
كنت أري أوراق العمر تتسارع ، ابتسامتي البلهاء، الرحيل، هي، الأمل، ثم أخيرا يأتي الرحيل من جديد، وجدتني أنظر إليها وهي تتباعد في صمت، كان الزورق يمخر عباب البحر الكبير ويحمل كل شيء إلا حبي الكبير الذي تركته معها، لأعود بلا فؤاد.
*بيت الحياة: يماثل التعليم الأساسي في مصر القديمة.