صورة في دكان

صورة في دكان

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان المصري حسين بيكار

رأى الصورة المصلوبة على الجدار المقابل لبنك دكانه، فشدته من مكانه، فقام، تاركاً بقعة المياه الآسنة والمراقة أمام بيت أم الولد، والمحوم فوقها الذباب. 

الصورة حديثة، ببرواز ذهبى، زجاجها يبرق، يعكس الوجوه، وكذلك البضاعة الموضوعة على الأرفف. 

اقترب منها متمهلاً، لمح غباراً يلتصق ببعض مناطق زجاجها، مال بجذعه، والتقط خِرْقَة قديمة من فوق صفيحة الجُبْن، وببطء أراحها على الزجاج، وبدأ بمسحها، فعل ذلك مرّة أخرى كزيادة تأكيد، ولم يترك الخِرْقَة إلا واللمعة قد عادتْ إلى الزجاج.. 

يرنو إليها، يساوره الشك، فيلتقط الخِرْقَة، يمسح منطقة فوق الرأس الملاصقة لعلم متموج، ومنطقة الصدر العريض، ولا يفوته تطويق الفم المبتسم، ينتهي ويقول برجاء: 

ـ الصبر يا رب.

يأخذهُ طنين قوي، فيلوي عنقه، يلمح الولد يخترق بقعة المياه الآسنة، ركْزُ خطواته فَرّقَ شّمْلَ الذباب، فطار، ودخل لجوف الدكان. 

يُتابع جحافل الذُباب بالمنشة الليف، يَنْقَضُّ على أماكن ارْتِكَازُه، يُصيب بعضه، فيهوى على الأرض، فيدوسه بحذائه، بينما عيناه تراقبان الذُباب الفار، يحَطُّ فوق بقعة المياه. 

تنتشله زغرودة تخرج من بيت أم الولد، تنبسط صفحة وجهه، ويخرج، يجلس فوق دكة سند باب الدكان، ويقول: 

ـ الفرح حلو يا أولاد. 

تنظر النسوة بوجوههن من الشرفات، ويزغردن، فيفرد طوله ويتجه لمنتصف الشارع، يلقى نظرة على البيوت المترددة فيها الزغاريد، يبتسم، ويعود لمكانه، وداخله يرغب في معرفة سبب ما يحدث.. 

لولا الضجة، لقام ـ كعادته ـ وزاوج بين ضلفتي الدكان، ووضع العارضَة على بابه، ودخل البيت، وشارك زوجته الغداء، ثم أراح جسده ساعة من الوقت، قبل أن يعاود فتح الدكان، الآن لا يستطيع، فالفرحة تعني له الرزق القادم من بيع الشربات والسكر. 

يراقب أبوابا تُفتح، وأقدام تدب فوق أرض الشارع، وأسئلة تبحث عن أجوبة. 

ـ إيه جرى؟

ـ العلم عند الله.

يمرق كلب فوق الماء المراق، في نفس لحظة مرور إحدى النساء اللاتي شدهن الفرح، يهَمُّ بسؤالها، إلا أن الذباب الذي اقتحم الدكان يجعله يعَدَلَ عما يريد.. يقوم ويدخل، يطارده، خصوصا ما التصق منه فوق صفحة الوجه المُتَطَلَّع بإشراق، يشده بابتسامته المرسومة فوق الشفتين المتزاوجتين، فيغمض عينيه، ويلمحه بين الجموع يقول (الشعب يريد)، ينتفض ويعود، يمد أصابعه، يلمس الخدين، فتسري قشعريرة خفيفة في جسده، وتختلج جفونه، لتولد الدموع في عينيه، سرعان ما تتحرر، ويردد بصوت مخنوق: 

ـ ربنا يصبرني. 

يمسح دمعة تدحرجت على خده، تحولت القشعريرة إلى رعشة تهز جسده كله، تشعره أنه في ليالي الشتاء، ولإسكاتها، يحمل صندوق زجاجات المياه الغازية، يعتليه، وببطء يقرب شفتيه من الزجاج، تتلاقى شفتاه بخد الصورة، يطبع قبلة، ويخرج، يراقب النسوة المتوجهات لدار أم الولد، يلقى عليهن السؤال «ماذا حدث ؟»، لا إجابة محددة يتلقاها، يسكت، ويحرك المنشة ذات اليمين وذات الشمال، وباب أم الولد في مرمى عينيه.

يلفظ البيت أحدَ الصبية، يرتدى شورت وفانلة، ويدهُ تقَبض على بعض المال القليل، يمد يده، ويسأل إن كانت الشربات موجودة، يقول إنها موجودة.

يسأل: ورد؟

يرد: فراولة 

يقول إن الخالة أم الولد تريد الورد.

وكالريح ينطلق، فلا يتيح له الاستفسار، يضحك، وينتبه إلى صمت صبغ الشارع بهدوء موحش، وإلى بقعة ظل انحسرت عن منطقة حط قدميه، تشجعه، فيقوم، يفرد تندة الدكان، وينتظر.

يلمح أم الولد تمسك بين يديها صينية، عليها كوب شربات، تتقدم منه، وظلال للفرحة تفرش وتنام على وجهها، تقترب، يسألها عن سبب ما يجري. 

تقول: الولد.

 ـ ماله؟ 

تقول إنه خرج من الجيش شُرك.

يأخذ الكوب، وينتظر حتى تعود للبيت، يقوم، يدنو من بقعة المياه المراقة، يدلق كوب الشربات، ويقفل عائداً لمكانه يتابع لمة الذباب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.