فنجان قهوة بالهال والديجيتال

فنجان قهوة بالهال والديجيتال

د. هشام منصور

اللوحة: الفنانة الإسبانية ريميديوس فارو

“وعثرت اليوم على حانه

تملؤها الحلوة ألحانا

تتراقص ما بين الكتب

شعرًا أو نثرًا أحيانا”

نظر إلى قصاصة الورق بين يديه وابتسم، كان يحبّ كتابة الشّعر اللعب بأنغام الكلمات، ولكن قلّما كانت قصائده تصل إلى خاتمةٍ أو مغزًى. فهو كان يسترق لحظات الفراغ بين مريضٍ ومريضٍ ويستغلّ العاصفة الفكريّة التّي تجتاح دماغه قافزةً بين مرضٍ وآخر وتشخيصٍ وآخر، ليخرج منها ببضع عبارات رنّانة النغم تخفف من إرهاق أفكاره. 

أصبح لديه ما يفوق الألف قصاصة، كلّ ورقةٍ بلونٍ وكلّ حرف بشكل، لو كان خطّه هكذا في مدرسة الضيعة لكان رسب مؤكّدًا، أمّا الآن فلا عتب عليه فهو طبيبٌ في زمنٍ مؤسفٍ تمحو فيه الألقاب كلّ الذنوب.

أعاد النّظر إلى الأبيات الأربعة التي كتبها هذا اليوم، كان يعاين طفلًا يحمل تشخيصًا نادرًا إلى حدّ أنّه قد يكون الوحيد المصاب بهذا المرض في لبنان، وهذا المرض لن يطول به الأمر قبل أن يودي بحياة الطّفل، وكان عليه أن يخبر الأهل هذا الخبر المؤلم عن ابنهم، لا زالت صورة دموع الأمّ تحرق مقلتيه وهو يراقبها تسمع تشخيصه اللّعين، وخطر بباله أنّ هذه المرأة ستكرهه إلى الأبد فهو قد أصبح بالنسبة إليها حامل الأخبار اللّعينة. شعر بدقّات قلبه تتسارع حينها، بألمٍ لا يعرفه من يجهل مكامن الأحزان.

ما دهاه لأن يكتب عن حانةٍ وألحانٍ وكتبٍ، أيّ هروب من الواقع هو هذا التّصرّف. تذكّر نفسه عندما كان طالبًا في مرسيليا حينها أيضًا كان يقصد المساحة الثقافيّة قرب مرفأ المدينة ليسمع الشعر والموسيقى وينسى لبرهةٍ وطأة اختصاصه الثقيلة.

ما أصعب مواجهة المرض وإن من الجهة القابلة من الطّاولة.

هو حقّا بحاجة إلى تنشّق بعض الهواء ممزوجًا برحيق الأفاويه الطبيعيّة، ولكن من أين له هذا في زمن الوباء والحجر والتباعد. لم يعد هنالك سوى منصّات التواصل الاجتماعيّ لملء فراغ العزلة في هذا العام العشرين من القرن الحادي والعشرين. “ولِمَ لا؟” فكّر بها على مهل، فهو دأب على إعطاء المحاضرات للطلاب وفي المؤتمرات طوال الأشهر السبعة الماضية من خلف هذه الشاشة، يخاطب لوحة مشعّة ويستنظر أن يكون هنالك من يستمع إليه على الطرف الآخر من الخطّ الوهميّ. 

“قد أخفقت البشريّة حقًّا في نهضتها المنقوصة، كلّ البشر يختبؤون كالفئران لأنهم أنفقوا تعب قرنٍ في التحضير للحروب ولم يتعبوا سنةً في التحضير للحفاظ على الحياة”. ابتسم عندما مرّت هذه الخاطرة بفكره وتوجّه إلى المطبخ ليحضّر فنجان قهوته المسائيّة. 

هو سيحضّرها بتؤدةٍ وينتظر بصبرٍ فوق الرّكوة متنشّقًا رحيقها الشّجيّ الدّافئ وإن كان يعلم أنّه لن يذوقها، فهو بحاجة للنّوم زد على ذلك ما قد يصيبه من تسارع دقّات القلب. ولكنّه يعشقها، هذه النّكهة، هذه الرّائحة المعقدّة المكتنزة التي ستحفّز كلّ هرمونات دماغه وكلّ مسامّ نسيجه.. مهلًا.. هذا وقت الرّاحة ليس وقت العمل، لا يجب أن يفكّر بالقهوة هكذا الآن … “آآآآآآه ما أطيب هذه الرّائحة.. من كان يظنّ أن حبّة بن وحبّة هال قادرتان على إيقاظ كلّ هذه الأحاسيس عند المساء” قالها بتنهيدةٍ عميقةٍ وأفرغ أفكاره وتوجّه إلى الحاسوب ليحاول العثور على من يؤنس مساءه، مساءٌ آخر يتواصل فيه مع شاشة.

كان الموقع الشّعريّ يعجّ بالزوّار، كلّ يعلّق على هواه ويجيب على تعليق ربّما باتت تفصله عنه عشرات من السّطور، لم يكن يحتاج إلى هذا الكمّ من الضّجيج في آخر هذا النّهار. أجال نظره على الطّرف الأيمن من الشاشة، كان هنالك عدّة غرفٍ فرضيّة، تساءل إن كان أحدها مستعدّ أن يستقبله. 

اختار غرفة فيها ثلاثة من روّاد الشبكة العنكبوتيّة، غرفةٌ مثاليّة لشخص يستعمل لوحة المفاتيح بشكل بطيء مثله، أقلّه لن تضيع ردوده وتعليقاته في أمواج أبناء هذا الجيل الذين يراقصون أصابعهم على اللوحة كراقصي رقصة الخطوات الإيرلنديّة.

  • مساء الخير.. أو صباح الخير
  • أهلًا و سهلا، أتته ردود ثلاثة من أسماء خمّن أن يكون أصحابها فتاتان وشابّ.
  • ما هو موضوع غرفتكم؟ 
  • كلّ ما يبهج النّفس والفكر والذّات

كلّ الردود مقتضبة وفيها العديد من الاختصارات وأحيانًا من الحروف اللاتينيّة الممتزجة بالحرف العربيّ لتكوّن نصًّا عربيًّا مقروءًا يمجّد نبوغ والد هذه الأبجديّة الهجينة، سعيد عقل، بعد رحيله.

تتالت الرّدود بسرعةٍ على موضوعٍ كانوا ابتدؤوه قبلًا، وكأنّهم في سوق عكاظ ارتجاليٍّ، كلّ يكتب بيت شعرٍ يحاول أن يتمّم فيه البيت السّابق.

  • ما بال زائرنا الجديد صامتًا لا يشاركنا أفكاره، سألت إحدى الفتيات متوجّهةً إليه وأرفقت صورة وجهٍ متعجّبٍ.
  • أنا أستمتع بهذه القصائد الجميلة التي تتوالى على الشاشة أمامي، هل هي نظمٌ إرتجاليٌّ؟ 
  • بعضها إرتجاليّ وبعضها محضّر، لم لا تشاركنا، أحد أهمّ شروط الدخول إلى هذه الغرفة هو المشاركة، أضافت الفتاة الأخرى.
  • ولكنّني لا أمتلك هذه السرعة في النّظم ولا أعرف ما هو الموضوع الذي تناقشونه.
  • لا بأس دعنا نختار موضوعًا جديدًا يسهل تواصلك معه، قل لي ماذا ترى أمامك، غير الحاسوب طبعًا، كتب الشاب.
  • فنجان القهوة وقلم الحبر وهاتفي.
  • هات أخبرنا عن فنجان قهوتك، أردفت الفتاة الأولى. 

نظر إلى العلبة المملوءة بالقصاصات الورقيّة و فكّر “لم لا”

  • و لكنّني بطيء بالكتابة
  • لا بأس أنا سأبدأ، كتبت الفتاة الثانية.

و بلحظات كان ثلاثون إصبعًا رشيقا يملؤون الشاشة بسطور متتاليةٍ تصف القهوة، بينما كان يبحث بين أوراقه عن أبيات تناسب الموضوع قبل أن يقوم بطباعتها على مهلٍ ويضغط على زرّ ال Enter

جبال تلال هاد بحار

تسكُن في فنجان القهوةْ

من يتأوّه فوق النّار

وينادي أيّتها النّسوةْ

***

يصرخ للجارة للجار

كي يجتمعوا حول الرّكوةْ

تُفتَح أبواب الأسرار

تُطلق شكوًى تلو الشّكوى

***

تتلى نشرات الأخبار

عن كسر أعراف التّقوى

إذ تنهمك نساء الدّار

في جمع المنّ والسّلوى

  • جميل ولحنه راقصٌ ووقعه رنّان، ردّت الفتاة الأولى، ولكنّ البيت الأوّل مكسور.. لماذا لا تبدأ هكذا: 

جبل تل وهد بحر

يسكن في فنجان القهوة

من يتأوّه فوق النّار

وينادي أيّتها النّسوة

  • جميل لقاء الجيران في باحة الدار حول هذه الركوة، كتب الشاب.. والآن دوري:

يتحدثن عن الأخبار

 يكسرن الأعراف بنزوى

أبيض أسود وهنا عار

وطريق يأخذنا عنوةْ

***

فنجان القهوة أسرار

وخبير بهموم النسوةْ

القهوة سيدة الدار

والركوة شغف لايروى

***

ثرثار هذا الفنجان

والنسوة تصغي في نشوةْ

يأخذهن بحملة ظن

ويدور حديث في خلوةْ

في أسفل المتصفّح كان يظهر إشعار “Juliet is writing a message” وتليه ثلاث نقاط متحرّكة ولم تبطئ كثيرا في إرسال الجواب.

هذه تهمس هذي ترجو

هذي تضحك، هذه ثكلى

هذي تذهب خلف حبيب 

هذه تتكئ على غفوةْ

***

فنجان الأسرار تهادى

بين الأيدي يأخذ جولة

وظلال سود تتحدث  

قلبي غصن مال ليهوى

***

ما قولك أيتها الجارة 

هل يأتي أم أذهب نحوه؟

فتجيب وعينياها بحر

لا أعرف أسرار القهوةْ

لا، إن المشاركين في هذه الغرفة سريعو البديهة يطوّعون الحروف والكلمات، هذا من النّوادر في عصرٍ أصبحت فيه اللغة العربيّة لغةً هامشيّة تسير على رصيف أنهار العلوم الدّافقة باللغة الإنكليزيّة، وليس هنالك كثرٌ يستسيغون بلذّة قصيدةً بطعم الأنسان. ولكنّه من الذين يتبعون مسيرة هذا النّهر وقلّما أخذ وقتًا ليمشي على الرّصيف، كم اشتاق إلى ذاك الرّصيف، تشجّع و ضغط زرّ ال Enter  ليرسل إخر ما كتبه:

من يسكن طيّات المصعد

يعبر في نظري لحظات 

يعبر خلف زجاج الوهم

يبعُد عن وهمي خطوات 

***

صوت القلم، صوت الألم

جيش يقتحم الحلقات

شمس الصّبح تصحو بصمتٍ

أعظم من مجد الكلمات

***

ماذا حلّ بلون الشّمس

من أفرغ كلّ السّاحاتْ

من أفرغ فنجان القهوةِ

من بهجة كلّ اللحظاتْ؟

***

هل هو وهمٌ، هل هو مرضٌ

هل هو مفتاح السّاعاتْ؟

هل هو طيفٌ جاء يزور

حروف العلّة في الكلمات؟

***

جبال تلال وهاد بحار 

قد هجرت فنجان القهوة

ماذا حلّ بأهل الدّار؟

من كمّم أفواه النّسوة؟

***

من أغلق باب الزّوّار

إذ أصمَتَ آهات الرّكوة؟

وتباعد أهل الأخبار

أخبارٌ فرغت من فحوى

***

ما غيّر وجه الأحباب

واحتلّت نصفه كمّامه

خطر يقبع خلف الباب

يُسكن في الليل الأحلامَ

  • جميل ولكنّ الوزن الشعريّ ليس مستقيمًا، دعني أحاول، كتبت الفتاة الثانية
  • هنالك عقودٌ من الزّمن بيني وبين التّفعيلات والأوزان، كتب التّعليق وأرسله مرفقًا بوجهٍ ضاحكٍ وعين مغمضة، فآخر مرّة كتب فيها شعرًا عاموديًّا صحيحًا كانت على مقاعد الدراسة، في القرن الماضي.

مجرّد أن يذكر أنّه وُلِد في القرن الماضي كان يكفي لأن يغرقه في دوّامة أفكار فلسفيّة لا تتناسب وساعات النّوم. بدأ النّعاس يغزو عينيه، عليه أن يستيقظ باكرًا غدًا، وقد تعبت يداه من نقر الأحرف السريع فهو ليس معتادًا على لوحة المفاتيح العربيّة، هو يهمّ بالخروج من الغرفة ولكن هنالك من يكتب رسالةً أخرى:

ما غيّر وجه الأحباب؟

غطاه الكمام بقسوةْ

خطر يقبع خلف الباب

يسكن في النوم وفي الصحوةْ

***

يقبع في ليل الأحلام  

يسقينا من كأس مرةْ

 آه من هذا الفنجان

 ينسينا ويعيد الذكرى 

 نتحلق في صحن الدار 

وتفرقنا دروب القهوةْ

 في الفنجان ظلام النفس  

وظلال داعبت النشوةْ

كانت السّطور تتالى والأبيات لم تنته، غادر الغرفة الافتراضيّة بصمت، فالقصيدة لا زالت حيّة تكبر هنالك، في الخارج، غير مرتبطةٍ بيقظته أو منامه، لم يجرؤ على الإستئذان بالخروج، فمعابد الشّعر ليس على أبوابها حرّاس ولا تغيب عنها الشّمس ولا القمر، فأنت فيها دائمًا وإن لم تسمع ألحانها.

ما هذا الليل الطويلْ!.. وضع يده في سلّة القصاصات واستلّ ورقةً أخيرةً لهذا المساء: 

أبحث فيه عن أفكاري

عن ساقية بين النّار

عن طفلٍ يلهو بجواري

عن ذات الوجه الجميل

تروي بحلاها الغليل

هو حلم يقظةٍ بعيد، رفع فنجان القهوة إلى شفتيه، ثمّ إلى أنفه، تنشّقه طويلًا، كم هي جميلةٌ هذه الرّائحة وكأنّها أسواق صيدا القديمة تجتمع بضجيج باعتها وروّادها وسيّاراتها وشاحناتها، كلّها تسكن في رائحة فنجان أو محمصةٍ تحت قناطر السوق الشّعبيّ. ولكنّه الليلة أيضًا لن يشرب هذا الفنجان، سيتركه يتوسّط المائدة قرب الشبّاك وسيترك القمر يتلألأ على وجهه طوال الليل بانتظار صباحٍ جديد.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.