بئر الأماني

بئر الأماني

د. محمد جابر لطفي 

اللوحة: الفنانة السورية بسماء القطيفان

دقات تتوالى.. تجولت ببصري في أنحاء المكان حتى اصطدمت عيني بعقرب له ظهر لامع.. لم أهتم وأشحت بوجهي بعيدا.. كنت قد اكتفيت من ملاحظة مايفعله، رأيت ذلك مرارا وتكرارا.. يفترس الثواني المسكينة في صحن الساعة القديمة في زاوية من زوايا النسيان التي تملأ المكان.. ناداني أحدهم.. فأصغيت وإذا به يدعوني للنزول مرة أخرى.. لم أمانع هذه المرة.. كنت في المرات السابقة اتردد وأماطل حتى يخفت هذا النداء وأظل أبكي وأتحسر علي بقائي كل مرة وحيدا أنتظر.

تحسست خطواتي في سلم البئر المتهالكة التي بدت لي بلا نهاية ولم أكن خائفا.. بل كنت أمتلأ تصميما وشوقا ربما أجد صاحب ذلك الصوت أو صاحبته.. تلمست جدران الجب التي كانت تنضح بالماء أو ربما بسائل آخر لا أعرفه.. مددت أصابعي إليه أتحسسه.. كان سائلا لزجا.. تشممته.. أكأد أطلب منه أن يبوح لي بسر أو ذكرى.. تابعت الهبوط خطوة بخطوة.. كان الماء في أسفل البئر يلمع وكأنه سطح زئبق.. تراءت لي فكرة.. خبأتها بين ثنايا عقلي.. لكنها تململت من القيود ظهرت لتنادي بقوة.. هل لديك اي شئ تلقيه في البئر.. أذعنت لها في نهاية المطاف.. بحثت في ثيابي عن حجرصغير أو حتى حصاة أو أي شئ من هذا القبيل أقذف به إلى الأعماق حتى وجت مفتاحا أخذته في ابتهاج ساذج وبدون أن أفكر ألقيت به بعيدا.. 

ظللت أنتظر.. أنتظر حتى سمعت رنينا صداحا اختلط بصوت باهت لم أميزه.. هل يكون لصاحب الصوت الذي دعاني للنزول.. خفت ذلك الصوت بالتدريج.. تابعت الهبوط.. لم أدر كم من الدرجات لامستها قدمي.. ربت كف غليظ علي كتفي الأيسر يرافقه صوت آخر لكنه أجش يصرخ في: سعيد.. سعيد.. التقط مفتاحك الذي سقط.. أخذت جدران البئر في الدوران والسائل الذي يسكنها يتناثر في غضب والدرجات تتقارب من بعضها في لهفة.. لكن الماء في الأسفل ظل بعيدا بل واكتسى بسواد يتزايد.. هزني نفس الكف مرة أخري واصطحب معه صوتا لاذعا يردد في سعاده : أما زلت تحلم بها.. ضحك في برود وتعال.. عروس أحلامك الهاربة أبدا.. فتحت جفوني لأجد أخي الصغير تملأ وجهه تعابير الزهو والانتصار لأنه.. وجدني أختلس فجوة صغيرة من عالم الأوهام و أسكن إليها.. تابع بقوله.. خذ.. خذ مفتاحك.. مفتاح الجنة الموعودة التي ملأت بها عقولنا جميعا ونحن صغار.. كبرنا وتغيرنا وأنت لم تتبدل.. 

 الفارق الوحيد أنك صرت الوحيد الذي يراها ويتحسسها كما تقول.. سعيد يا أخي.. لم أدعه يكمل صحائف النصح التي تقطر شوكا وبادرته بالقول.. ماذا تريد مني.. قال لاشيء وانصرف تاركا المفتاح في كفي.. أغلقت ماتبقي لي من أجفان.. أخذت أجول في الظلام عسى أن أرى البئر وجدرانه من جديد أصغيت جيدا حتى أتسمع صوته أو صوتها لكن الفراغ الذي يسكنني قرر أن يسعدني بصحبته أكثر وانتشر من حولي.. وآثرت السكوت.

لم يطل بي المقام وأنا على تلك الحال حتى اهتزت ستائر الشباك تناديني كي أقترب.. فعلت في تثاقل.. لا يوجد مايمكن أن أراه علي إمتدد البصر.. فضاء يسكن فوق موج البحر الذي يتسابق من قديم أمام غرفتي حتى طيور النورس تقف يملؤها الضجر من ذلك العالم الساكن.. لكني اقتربت من الشباك لأفتحه على إستحياء.. لأجدها أمامي.. نعم هي أغلقت جفوني ومصراعي الشباك الخشبي.. أدرت وجهي إلى الحائط والساعة.. أرقب وليمة العقرب الفضي وهو يداعب فرائسه من الثواني الملتاعة 

التفت إليها.. وجدتها تنتنظر.. تنظر إلي مرة أخري.. لا بل إلى العقرب.. لا إلى الثواني.. تركتها وذهبت إلى سريري واستلقيت أنظر إلى السقف في صمت.. وجدتها تنظر إلي.. نعم إلي أنا وحدي في هذه المرة.. إذن هي جاءت هذه المرة من أجلي.. لا مفر إذا من ترك مرقدي والنهوض.. دعوتها للجلوس لكنها كانت تهيم في أرجاء المكان.. تمد يديها إلي كل شئ.. تتحسسه.. تتلمسه.تتشممه.. تركتها برهة علها تنهي ماجاءت من أجله.. انتظرت واضعا كفي على عيني بل على وجهي.. وكل ما إستطعت أن أخفيه من ملامحي.. انتظرت حتى تبدأ بالكلام.. وطال الإنتظار.. رفعت إليها رأسي.. هل جئت هذه المرة تحملين أنباء طيبة.. كانت عيناها زجاجتين لكن بلا بريق.. فمها متثاقل يهبط إلى نفس البئر التي كنت أهبط درجاتها منذ قليل.. صرخت بكل مالدي من كلمات.. لا.. لا أتوسل إليك.. دعي درجات ذلك الجب الملعون.. لا يوجد هناك من ينادي.. ابقي معي.. ابقي من أجلي.. لا من أجل أمك.. 

رأيتها وهي تذوب أمامي مددت يدي.. أكاد أرى درجات البئر تناديها وهي تلبي.. تغوص وتختفي.. أسرعت إلى إلي ماتبقي منها.. لأضمها.. حاولت أن أجذبها بعيدا خارج ذلك العالم.. لكن لم يتبق إلا ذكراها.. لملمت شتات الذكريات وجلست مقابل الساعة ذات الثواني الجريحة.. أمام الجدران الفارغة.. انصت علها تناديني.. 

 دق الجرس كما هي عادته كل صباح.. لم تشرق الشمس بعد.. لازال الليل حرا طليقا يتجول خارج النوافذ النائمة.. سارعت إلى المنبه حاولت إقناعه بلمسة حانيه أن يخفض من رنينه فاستجاب من فوره.. شكرته بقبله أرسلتها في الهواء.. ذهبت إلى المطبخ أعد الشاي بالحليب الذي تعشقه.. وأخيرا أطللت عليها من وراء باب غرفتها نائمة كحلم ذي أنغام.. تلمست شعرها الحريري الأسود برفق.. ناديتها.. حبيبيتي الشمس تنتطر ابتساماتك.. أمك مازلت نائمة.. هيا بنا نلعب معا.. تعالي نوقظها بمفاجأة.. تحب أن تقبليها خلف أذنيها.. لكن برفق يا جميلتي.. 

أراها.. تخرج من حجرتها تتطاير ضفائرها فرحة إلى سريرأمها التي استيقظت وظلت ساكنة حتى تظن حوريتنا الصغيرة أنها لازالت تغط في سباتها العميق.. قبلتها خلف أذنها اليمني ثم اليسري.. وفجأة تتحرك ذراعي أمها في خفة.. تحتضنها.. يسود المكان عاصفة من الضحك البريء.. وفجأة تأكل الصغيرة ابتساماتها.. تردها إلى جوفها.. تبتلعها.. وتتركنا وتخرج ذاهلة.. أرنو إلى أمها في ألم.. نتبادل النظرات الكسيحة.. لا فائدة من الصمت.. لابد وأن نذهب بها إلي الطبيب.. استسلمت عيني أمها لكلماتي.

 وذات صباح اصطحبناها إلى الطبيب.. تركناها معه.. حتى دعانا للدخول.. قال مسكينة تلك الصبية.. ليس لدي سوى عقاقير وأدوية ربما تفلح في اجتذابها من براثن العالم الخفي الذي يناديها.. سوف تعاود النزول إلى بئر عميق من الخيالات والوساوس.. لكن لا تتركوها تمكث طويلا.. عليك وأمها أن تحافظوا على ماتبقي من جسور بينها وبين عالمنا.. لم أدر مانفعل.. لكننا امتثلنا لما ساقته الأقدار.

كنت أراها تكبر ويكبر البئر.. تهبط عشرات المرات وانتظر.. أنادي.. تصعد إلي في لهفة وفزع.. احتضنها في شوق لكنها لا تراني.. لا تحس بوجودي.. أكاد أسمع النداء من داخل البئر.. أصرخ في وجهها.. أهزها.. تتركني من جديد ويلفني الذهول والصمت.

 حتى جاء ذلك اليوم الموعود الذي رأيت فتحة الجب بأم عيني.. بل وسمعت صوتها يناديني.. نظرت إلى البئر.. ناديتها.. رأيت الدرجات.. نزلت إلى أسفل.. اتحسس الجدران أتشممها لعلي أجد بقاياها فيه.. سمعت صوتها يأتي من خارج البئر.. أسرعت وصعدت درجات السلم الزلقة.. تلفت حتى أراها.. لكن الصمت كان يلف كل شئ.. لأجد الجدران فارغة والساعة المشنوقة على الحائط قد اشترت عقربا يجول في أركانها يتصيد ثواني الزمن الخائفة.. كان كل شئ يذوب من حولي.. لم يتبق إلا بئر الأماني الذي ينادي.. وينادي لأبقى.. فهل أستجيب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.