اللوحة: الفنانة المغربية لطيفة العلوي
وكما أن لحظات السعادة الخالصة شحيحة، قليلة حتى يمكن عدّها عدًّا على أصبع اليد الواحدة، كذلك لحظات الفزع الكامل تلك التي تحتوي المرء، تبدأ من داخله وتنتشر كتيار كهربي حتى تصل لأطرافه الأربعة، هي أيضا قليلة ولعلّ تلك ميزة أو رحمة بالمرء.
وما حدث قبل أيام. نادرة من تلك النوادر، إذ لفّتني رجفة شديدة، وقتها كنت أسير بطريق جانبي معتم اختصارًا للوقت والمسافة، الإضاءة خافتة للغاية، وجود الضوء يبعث رهبة أكبر من غيابه، فأجفلت بعض الشيئ لكنّي أصررت على مواصلة الطريق، آملًا أن أنتهي قريبًا وأن أصل لطريق يضج بالحياة بعد برهة، وكنت أتسمع أثناء سيري لأي لحن قد يتسرّب لأذني يؤنس وحدتي ويخبرني أن الرحلة قد أوشكت على نهايتها، لكن!
مررت بتلك اللحظة من الخوف، ذاك الذي ينطلق من العمق، من أقاصي مجاهل النفس، فتشرّبت روحي به ببطئ، ثم تسلل بين الضلوع حتى وصل واستقر بقفصي الصدري، حينها أيقنت أن تلك لحظة تتعادل فيها الفرحة بالألم، فمن العبث أن تستمر الحياة على وتيرة واحدة، من اللامنطق أن يظن المرء أن طعم السعادة قد يستقر بالحلق فترة كبيرة، إذ بعد فترة يصبح الحلو مُرًّا.
فأسرعت الخُطى، ثم زادت سرعتي حتى أضحت هرولة ثم جريًا، لكن بدا أنّي لا زلت أقف بمكاني لم أبرحه، وأن كل ما فعلته هو “جري في المكان”، فراودني شعور بأن أعلن استسلامي وأن أرفع رايتي من جديد وأنا من كنت أتوهّم أن إنزالها قد حان حينه، فرفعتها من هذه المرة وأحكمت وثاق حبلها حتى لا يسقط مرة أخرى.
وقبيل أن أقعد تحت ظلالها لأستريح وهي ترفرف فوق رأسي، إذ كان التعب قد بلغ بي مدى بعيدًا، سمعت صوتها، تلك التي أظنها تغيب لكنها تظهر دائما من العدم، بابتسامة حانية بدّدت بعض عتمة الليل.
أي لحظة تلك التي أمرُّ بها الآن! لقد رأيتها تُقبل عليّ من الجهة المقابلة على رغم أن الظلام دامس، لكنّي أقسم أنّي رأيتها رأي العين، اندفعت إليها لاسألها سؤالًا يتيمًا: ما دعاك للمرور من هنا؟ لم يكن بيوم من الأيام محطة لترحالك وطريق لمشيك؟! بتُ في حيرة معك، وما تلك بيمينك؟
كانت تحمل بيدها صندوقًا من الورق، تحيط به شرائط حريرية ملوّنة، تتطاير في الهواء، لتعزف مع شعرها المتناثر لحنًا موسيقيًا غامضًا، التفتت إليّ وابتسامة رائقة على شفتيها، أقسم أنّي لم أرها من قبل، ثم همست: لك هنا نصيب، ثم أخرجت بعض ما فيه، فوجدته خبزًا ساخنًا، لا تطيق اليد لمسه ولا الفم اقترابًا، فخفتُ لهيب الموقف، ترددت، لمحت ضعفي، قالت: لم تتغيّر كثيرًا مذ تركتك، فلمَ الخوف؟
فأجببتها: أكره حرارة الصيف وأضيق ذرعًا بلفح الشمس.
فهمست من جديد وتلك المرة اتسعت ابتسامتها الحنون: خذها ولا تخف.. ففعلت.
قالت من جديد وهي تغادرني وتسحب وراءها ظلال كثيفة: لا تخف سنعيدها سيرتها الأولى.