حسام القاضي
اللوحة: الفنان الفرنسي ماكس جينسبرج
(1)
ـ آسف جدا لن تستطيع الدخول.
ـ لم؟ معي تذكرتي و..
ـ الأمر لا علاقة له بالتذكرة إنه..
ـ كيف؟ أليست التذكرة هي شرط الدخول الأساسي؟
ـ لا هناك شروط أخرى أهم.
ـ مثل ماذا؟
ـ لا داعي للسخرية. اقرأ إعلاننا الموجود بالمدخل هناك.
ـ ولم لا تخبرني أنت بدلا من ذهابي وإيابي؟
ـ الأمر لله. ممنوع الدخول يا سيد بدون ربطة عنق.
ـ ربطة عنق! ولكن هناك من دخل بدونها الآن. بل وبدون حُلة.
ـ هؤلاء أجانب ولا نستطيع أن نملي عليهم شروطنا.
ـ منطق غريب. هناك يجبرون الغريب قبل القريب على احترام شروطهم بينما نحن..
ـ ألا ترى أنك تعطلني عن أداء وظيفتي؟ أفسح الطريق لمن خلفك ليستطيع الدخول.
ـ ولكني أريد الدخول.
ـ إذن لا بد لك من ربطة عنق.
ـ كيف؟ ألا ترى عنقي؟
ـ لا دخل لي بعنقك.
ـ كيف؟ ألا ترى هذا التضخم كيف أحيطه بربطة عنق؟ بل كيف أحيطه بياقة قميص من الأصل؟
ـ قلت لك لا شأن لي بهذا.
ـ كيف؟ لقد أصبحت هكذا من أجلكم، ومن أجل أبنائكم وأحفادكم و..
ـ ما هذا الهراء؟ من أجل من؟ أنا لم أرك من قبل، ولا أعرفك. كفاك هذيانا وابتعد قبل أن أطلب رجال الأمن.
ـ أنا لا أهذي إنها الحقيقة. وقد كنت على استعداد لما هو أكثر من هذا، وما زلت وعن طيب خاطر.
ـ وهل طلبنا منك ذلك؟ هل رجوناك؟ أم قبلنا يدك؟
ـ مثلي لا ينتظر طلبا أو رجاء بل يلبي نداء الواجب دون وجل أو تردد.
ـ ها أنت قد قلتها. الواجب إذن كان هذا واجبك فلم تعيرني به الآن؟
ـ أنا لا أعيرك ولكن أذكرك.
ـ أنا شخصيا لم أطلب منك أن تذهب، وعليه فأنا لست مسؤولا عما حدث لك والآن انصرف وإلا …
ـ كيف من حقي أن ….
ـ ألقوا بهذا الرجل خارجا.
(2)
أزيز الطائرات فوق رأسه.. قنابل متساقطة.. شظايا متطايرة في كل اتجاه.. رائحة اللحم البشري المحترق تزكم الأنوف. دُمرت كتيبته بالكامل. مات كل شيء إلا هو وجهاز اللاسلكي.. صفير ضعيف ينبعث منه:
ـ فهد ينادي نمر. فهد ينادي نمر. حول.
بصعوبة بالغة انتشل ساقه الجريحة المغروسة في الرمال:
ـ نمر معكم. حول.
ـ كم عددكم؟
ـ واحد.
ـ ماذا؟
ـ دُمرت الكتيبة بالكامل.
ـ من أنت؟
ـ رقيب مجند (…).
ـ هل يمكنني الاعتماد عليك؟
ـ بإذن الله.
ـ أريد تعطيل قوات العدو المتجهة للشرق بعض الوقت.
ـ عُلم.
ـ وفقك الله.
كمارد جريح هب متنقلا من مدفع إلى مدفع متوليا دور الناقل والمعمر والرامي.
(3)
من بين الكتل البيضاء المحيطة به جاءه صوتها:
ـ حمدا لله على سلامتك يا بطل.
ـ أين أنا؟
ـ في أمان. لا تحاول تحريك عنقك.
ـ أشعر بآلام شديدة.
ـ سترتاح بعد هذه الحقنة.
ـ ماذا حدث؟
ـ لقد وجدوك معانقا لماسورة المدفع المنصهرة من شدة الضرب.
(4)
ـ لا حل لي سوى الهجرة.
ـ …………………
ـ جحود في كل مكان.
ـ ……………….
ـ لا أمل في تحسن الأحوال.
ـ ……………………
ـ الحياة هنا أصبحت لا تطاق.
ـ …………………….
ـ لا معنى لكلمة وطن. إنه لفظ أجوف.
ـ ……………………..
ـ الحمقى فقط هم الذين ينخدعون بهذه الشعارات البراقة.
ـ ……………………..
ـ فلتسقط تلك المبادئ التي تقود صاحبها للدمار.
ـ ………………………….
ـ من؟ لا أهل لي. لقد توفيت زوجتي وابنتي. لم أجد نقطة دم واحدة لإنقاذ حياتهما.
ـ …………………………
ـ أية ظروف؟ إنه الإهمال والجحود.
ـ …………………………..
ـ قلت من قبل ليس لي أهل.
ـ ………………….
ـ لم يعد هناك مصريون.
ـ …………………..
ـ أنا لا أبالغ. تلك هي الحقيقة.
ـ ………………….
ـ سوف أرحل وليذهب الجميع للجحيم.
ـ ……………………
ـ أحاول معرفة الوقت من المذياع. ساعتي معطلة.
ـ ……………………..
ـ إنها مارشات عسكرية.
ـ ………………….
ـ لا شيء يثنيني عن عزمي. زمن التهريج انتهى.
ـ …………………
ـ وداعا. لا بل إلى الجحيم …
ـ هنا القاهرة. صدر البيان التالي من القيادة العامة للقوات المسلحة. قامت مجموعة من قوات العدو بمهاجمة منطقة (….) في الشرق، ولقد تصدى لهم رجالنا وما زال القتال مستمرا حتى لحظة صدور هذا البيان و..
ـ ………………….
ـ ………………….
ـ هنا القاهرة.
ـ ………………….
ـ ………………….
ـ هنا القاهرة.
ـ …………………
ـ …………………
وأمام المرآة كانت هناك حقيبة وجواز سفر ملقيين في إهمال واضح.