ظلّ وشارب

ظلّ وشارب

ريما إبراهيم حمود

اللوحة: الفنان الليبي سالم ساسي العمامي 

قررت إطلاق شاربي وأنا في العشرين من عمري، حين قالت لي ابنة الجيران الحلوة:

  • يا ترى كيف سيكون شكلك بشارب؟ 

  تذكرت حينها صورة جدّي المعلقة فوق الكنبة الكبيرة في غرفة الضيوف بشاربه الكثيف وطربوشه المائل، فشعرت بزهو غريب، ثمّ أطلقته نزولا عند رغبتها، وحين رأتني غمزتني بابتسامتها العذبة:

  • هكذا أجمل. 

   من يومها وأنا أعتني به، أشذبه بعناية بستاني متباهيا بظلي الواسع جدا الذي اكتشفت سعته بعد تربية لشاربي، لطالما كنت أفتل أطرافه دون أن أعي ذلك، وحين تزوجتْ ابنة الجيران الحلوة تعمدت الوقوف على باب منزلنا وأنا أتباهى به لأراقب وجه عريسها الحليق. 

    بعدها بسنين كوّمت كل ما أملك وعائلتي في مؤخرة سيارة النقل التي ستلقي بنا على الحدود، كان ظلي ينكمش مع كل فرد من العائلة ينضم إليّ، لم أفتل شاربي يومها، لبست الغترة السوداء التي ورثتها عن أبي بأهدابها البيضاء التي نسجتها أمّي بالسنارة، لثّمت وجهي بها تاركا منفذا لعيني فقط، جالسا فوق كومة الصرر وكرتونة لا أعلم ماذا دسّت فيها أم العيال. 

  (ظل راجل ولا ظل حيطة) 

سمعت أمّي تحذف زوجتي بالمثل الذي لا يفارق لسانها، أسكتتها بعد أن اشتكت من سوء معيشتنا تحت ظل الخيمة الضيق جدا. 

   حينها كنت جالسا أمام الخيمة، قدماي ممدودتان في الطريق بين خيمتنا وخيمة أم السعد المقابلة لنا، أحسست رأسي ثقيلا يتطوح يمينا وشمالا، ظننت أن النوم يغالبني، أغمضت عيني بعد أن أسندت رأسي إلى يدي المعلقة على حبل الخيمة المغروس في الوتد الحديدي تحتي. 

   فجأة سقطتُ على وجهي، شتمت، فمي مليء بالتراب وشاربي مكنسة حمل التراب معي حين وقفت، نفضته عن وجهي، ظل طعم التراب في فمي مريرا.. وظلّ رأسي ثقيلا حجرا بلا ظل.

  خطر في بالي أن أحلقه، علي أتخفف من وزنه وظلي الذي يتكوم فيه كل أفراد العائلة، حلقته واقفا وراء الخيمة معلقا علبة (فول) الصباح على حبل الخيمة،  مستخدما شفرة قديمة للمرة العاشرة.. تعرجّت الشفرة فوق شفتي بحدة وغباء تاركة جروحا طفيفة، غسلت وجهي وجلست أمام باب الخيمة، مددت قدميّ في الطريق متعمدا، لم يعرفني جارنا في الخيمة عن يميننا، لم تعرفني أمّ السعد حين مرّت فوق قدميّ حاملة فوق رأسها برشاقة (ناعومي) كرتونة المعونة، ولم ترني زوجتي حين وقفت أمام الخيمة فوق رأسي تماما، واضعة يديها فوق خصرها باكية، تتلمس جبهة الصغير الذي شدها من ثوبها متسائلا: 

  • أين بابا؟ 

  تلمست وجهي، تحت أنفي، كانت أصابعي باردة جدا، لمست شفتيّ، غاصت أصابعي في فمي.. دخلت يدي كلها فيه، ابتلع يدي وبطني ككرة، كنت أشاهد فمي يأكلني، آخرا وقفت أشاهد جسدي يختفي.. كل ما بقي مني شاربي الطافي في علبة (فول). 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.