اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو
ما بال هذا الرجل! رأيته بطريق عودتي مساء أمس، كان يجلس وحيدًا، ينأى بنفسه عن صخب الحياة من حوله، ينفرد بنفسه وينكفئ عليها كأنما ينشغل بذاته عمّا سواه، حسبته للوهلة الأولى، شحاذًا يأس من سؤال الناس فاستراح بعد عناء من مد اليد للمارة، لكنّي رأيت أناقة تغمره، لحظت أن حذائه يلمع، مهندم البنطال، قميصه الأبيض لا يزال يحتفظ ببعض رونقه، بدا ليّ أن عروق يده نافرة،
غير أنّي لمّا اقتربت منه وجدت عضلات ساعديه بارزة كأنما كان يخوض صراعًا منذ برهة مع الحياة، تتشابك أصابع يديه، تختفي قسمات وجهه تحت كثافة لحيته الرمادية، بينما تضوي صلعته تحت ضوء عامود إنارة يقف وحيدًا.
رأيته يستغرق في تفكير عميق، كأنما يتدبر شئون الكون، أو كارثة حلّت به منذ قليل،اقتربت منه وقد غمرتني شفقة كبيرة عليه، مددت يدي على استحياء وربتُّ على كتفه الأيسر وقلت: عذرًا سيدي، هل أصابك تعب؟ أترغب في مساعدة؟ هل أحضر لك طبيبًا؟ أجائع أنت؟ هل فقدت حافظة نقودك وتتحرّج أن تسأل الناس للعودة؟
ثم من أين أنت؟ ملابسك وهيئتك تقولان أنك لست من هذه المنطقة؟! لعلّي سألته كثيرًا، كلما طرحت سؤلي، كان يعتصم هو بصمت غريب، يستقر على وضعه وجلسته كما هو، فلما فرغت جعبتي وبان ليّ حرج موقفي، أردت الهرب،حينها رفع رأسه إليّ فرأيتني أمام شبابي منذ أربعين عامًا،
ألجمتني المفاجأة، تحجّرت دمعة بعيني، تحشّرجت كلمة كدت أنطق بها لكنها وقفت بحلقي، ولمّا أفقت من ذهولي ، وجدت صبيًّا دون العاشرة يقف خلفي، يربت برفق على كتفي الأيسر يهمس ليّ: تائه أنت يا جدّي؟ هل نالك تعب؟ هل أحضر لك طبيبًا أو مساعدة؟، كأني سمعت هذا الصوت من قبل، بل أعرفه جيدا، فرفعت رأسي إليه وقد تحجّرت دمعة بعيني وغصة استقرت بحلقي، نظرته فرأيتني صبيًّا ألهو مع أقراني وأمي تناديني محذّرة ـأن أبي حان موعد عودته..