الطِّفْـلةُ واقفَـةً

الطِّفْـلةُ واقفَـةً

أندريه شديد

 ترجمة:  عاطف محمد عبد المجيد

اللوحة: الفنان المصري شوقي زغلول

( كل النظريات رمادية، يا عزيزي الدكتور، بينما تَخْضرُّ شجرة الحياة بشكل سرمدي.).. جوته.


بالتناوب، يضعنا التاريخ في حالة تشوش، يجعلنا نتقزز، أو بالأحرى يُشْركنا في أمله الاستثنائي. غالبًا ما يُحطِّم الواقع زجاج النوافذ، يصْفعنا، قبل أن يَنْغمرَ في مستودعات الزمن. لكنّ ترنّحات الذاكرة تطفو أحيانًا بإيماءةٍ، بصورةٍ، بصرخةِ طفلةٍ صغيرة.

  • لديَّ ساقان!

فوق سرير كبير مُتمددةً على ظَهْرها، تتفجر الفتاة الصغيرة فرحًا.

عمرها أقل من ثلاث سنوات. للمرة الأولى منذ عدة أشهر، تقوم بثني ركبتها، تُحرِّكُ قدَمَها.

  • لديَّ ساقان!

كانت تعاني من التصاق في الفخذين أدَّى إلى عملية جراحية، ثم إلى الثبات في قفص من الجبس رُكِّبَ في الجزء الأسفل من جسمها.

لمحاصرة الصدمة، أجهدنا أنفسنا في اعتبار هذا الطوق ـ كنوع من التسلية ـ كراكبٍ داخل حجرة طيَّارٍ غريبة. هي نفسها، بسرعة تبادلت معنا الإشراف على درعها الواقي هذا.. مُطْلقةً عليه أنه: كهفها، مركبها، منزلها، مكتشفةً رسوماتٍ في تعرجات المادة المُبْيَضَّة، راسمةً فيه ما لا يمشي، ما لا يَخُبُّ ـ لكنه موجود ـ مثل شجرة صَلْبةٍ، كانت تلمحها كل يوم من خلال نافذتها. سؤال الساعات الأولى (لماذا؟) تلاشى.

ذلك النصف الأعلى من الجسد المقاوِم، تلك الأذرع الليِّنة، تلك الأيدي العازفة، تلك الأعين التي تسبر الأغوار، كل هذه الزهرة من اللحم كانت تنظم الحركة، تسترد الثقل الآخر.

حب الأبوين كان يُوسِّعُ الرقعة الجريئة للخيال، هذا المكان، في عمق كل منا، في انتظار دعوة لَبِقةٍ، نداء.

الشهر الماضي، وهي تدير مرفقيها مُنْبطحةً، سحبت الطفلة كيسها الثقيل خلفها وسط الشقة. قيل عنها: حيوان برمائي، أرعن، ليس جديرًا بالشواطئ .لكنها تحسَّنَتْ بسرعة. المرفقان خشنان جدًّا، أما هي فقد دارت سريعًا بكل رشاقة وبسرعة، بامتداد الرواق وعبر الحجرات.بل انتقلت إلى نوع من الفرحة الغامرة، ثملةً وهي تتغلب على العقبات، ملتفتةً إلى الوراء كثيرًا من أجل أن تُصفق بيديْها.

****

في ذاك الصباح، كانت الممرضة قد شَجَّت القوقعة المتصلبة بغية الإفراج عن الصبية. حدث ذلك في صالة متسعة، حوائطها مائلة إلى الزرقة. 

بجانبها، أطفال آخرون، كانوا يرقدون على أَسِرَّةٍ آلية. بعضهم في انتظار إنقاذه، وبعضهم الآخر نُقل إلى هيكل آخر. 

في نظراتهم، يُقرأ صمت موجع، حكمة عمر آخر.الفتاة الصغيرة رفضت أن تتابع بعينيها العملية الجراحية. عنقها ممدود، أدارت وجهها الناحية الأخرى، نظرت وراءها نحو كُوَّةٍ مرتفعة. قررتْ ـ جبهات على زجاج النوافذ ـ أن البقرة، التمساح، القط، وحيوانات أخرى، مُفضَّلة كانت تتجمع لكي تُحيّيها. لم تكن تعاني، لكنها، كشخص أُجْبر على ترك مأواه، كانت ترتعد من الخوف.

من المستشفى حتى المنزل، ثُبِّتت داخل درع مكشوف، كي يسند حوضها وساقيْها أثناء عملية نقلها في السيارة.

كانت تتجاهل حالتها الجديدة، متحدثة عن أمور أخرى.

أخيرًا، أُريحَتْ من شرنقتها، وُضعتْ على غطاء مفروش.أما العائلة فقد احتفظت ببهجتها، ممسكة بفضولها على بعد مسافة، لامحة ساقيْها الصغيرتين مكشوفتين وهما أقل نحافة، يغطيهما غشاء رقيق يميل إلى الاسمرار، تنفصل عنه قشور.كانت تنظر بترصد، كأنها تخشى أن تقع في شَرَكٍ، ولهذا لم تَصْدُرْ عنها أي إشارة رضا أو قبول.

شمس ربيعية تغطي فراشها، غامرة كل أعضائها. 

ثم، بضربة، كانت تلك صرخة: 

  • لدي ساقان!

كان تيار الحياة يقتصر على كل الأعصاب، متغلغلًا في أوتارها، مُشْبعًا أربطة مفاصلها، وكذلك مفاصلها الآلية الفريدة من نوعها، استأنفت السير، وفي حديث لاهث أسهبت فيه دعت الطفلة كل أولئك الذين أثلجت عودتها صدورهم، واستشهدت من عائلتها بالأب، الأم، العمات/ الخالات، الأعمام / الأخوال، أبناء الأعمام / الأخوال، الأصدقاء، ذكر البط ﭽيبير، الدمية باريل..

دون أن تنسى الشجرة الصلبة التي تقوم بتمكينها كل يوم.

  • انظري، لدي ساقان!

كانت صيحتها تشبه صيحة الشفاء من مرض عضال، نهايات الصراع، التجديدات، كما أثمرت صورتها صورًا أخرى. وبينما كانت تنحني، تستطيل، تُباعدُ ما بين ساقْيها الصغيرتين ـ محتكة بسِرِّ الجسد الأسطوري ـ كانت كل تراتيل الحياة ترافقها. 


أندريه شديد..أديبة فرنسية راحلة ولدت في القاهرة في (20/3/1920 ) وعاشت ودرست حتى الجامعة فيها، ثم رحلت إلى لبنان ومنها إلى باريس حيث استقرت هناك، وكان رحليها الأبدي في العام 2011.

كتبت الشعر والقصة والرواية  والمسرح.

من أعمالها: النوم المنقذ (1952)/ اليوم السادس ( 1960) ـ والذي حوَّله المخرج يوسف شاهين إلى فيلم سينمائي ـ / المدينة الخصيبة ( 1972) / الجسد والزمن ( 1979) . وأخذت هذه القصة من مجموعتها القصصية ( وراء الوجوه ـ 1978).


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.