ضربة البداية

ضربة البداية

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنانة الأردنية هند جال

بملابسه الرثة يتكئ على عكاز، كان قصيرا نحيفا أشعث الشعر، ربما الوحيد الذى كان يلفت نظرى من بين كافة الحاضرين خلف المرمى بعد أي هدف أسجله كانت عيناه تلمعان من الفرحة ولكنها كانت فرحة منقوصة.

كنت وأصدقائى نقيم الدورات الرياضية فى قريتنا خصوصا فى أجازة الصيف، وكنت أكثرهم مهارة فى لعب كرة القدم، وكان هذا الطفل الذي يبلغ نحو عشرة أعوام حريصا على حضور كافة المباريات على رغم ظروفه الصحية الصعبة إذ يبدو أنه كان مصابا فى إحدى قدميه، كما تُظهر ملابسه القديمة الممزقة أنه من عائلة فقيرة.

بعد إحدى المباريات وبينما كان يهنئنى عدد من شباب القرية على أدائي المميز، سمعت أحدهم وسط الزحام يقول لهذا الطفل أبعد يا “أعرج”، استفزتني الكلمة فنهرت قائلها بشدة، واقتربت من الطفل فوجدته يبكي ورفض تلبية طلبي بأن يشاركنا تناول الحلوى والمرطبات وانصرف بأقصى سرعة يسمح بها عكازه. 

عدت إلى بيتي وصورة الطفل وهو يبكي تمزق قلبي من الألم، وعلى الرغم من إرهاقي وحاجتي إلى الراحة بعد يوم شاق انتفضت من مخدعي رافضا النوم، فقد فشلت في مقاومة الإحساس بالذنب تجاه هذا الطفل البرىء، وشعرت بالتقصير في الثأر لإهانته ورد كرامته ممن أهانه.

 اتصلت بمن كانوا معي في الملعب وسألتهم عن الطفل، نفوا علمهم بشيء عنه أو بأسرته باستثناء صديق وحيد قال لي إنه الابن الاصغر لسيدة فقيرة تبيع “الخبز” على ناصية أحد الشوارع، وأنه أصيب في حادث بعاهة في إحدى قدميه، وأثنى صديقي على والدة الطفل ومساندتها لزوجها المريض لتوفير احتياجات أبنائهم الخمسة.

انتظرت بزوغ أول خيوط الشمس، واشتريت علبة حلوى وذهبت إلى بيت الطفل فاستقبلتني والدته بابتسامة بعدما لاحظت ارتباكي، عرفتها بنفسي فقالت إنها تعرف عائلتي، سألتها عن ابنها فقالت إنه نائم، جلست معها دقائق معدودة فقد كانت على عجل وتستعد للذهاب إلى عملها اليومي الشاق الذي يبدأ من الساعات الأولى للصباح ويمتد حتى منتصف اليوم.

حكيت لها ما حدث أمس وشعوري بالذنب نحو ابنها ورغبتي أن أطيب خاطره، فشكرتني وقالت بصوت خفيض: “حذرته أكثر من مرة من الذهاب إلى الملعب حتى لا يسقط نتيجة التدافع، لكنه يعشق كرة القدم وكان يحلم أن يكون لاعبا مشهورا لكن رعونة سائق أطاحت به من فوق أحد الأرصفة في حادث قبل أعوام أفقده إحدى قدميه ما يضطره للاعتماد على عكاز لمساعدته على المشي”.. ثم تساقطت دموعي وهي تقول إن ابنها دائما يحدثها عن مهارتي وأهدافي في المباريات، وأنه لو كان معافىً في بدنه لتمنى أن يلعب بجواري.

 أثناء عودتي لبيتي فكرت كيف أسعد هذا البائس الذي كانت أحلامه البسيطة تتلخص في مداعبة الكرة فاشتريت له طاقم ملابس رياضية غالى الثمن، كلفني مبلغا كبيرا لكن كان بداخلي شعور لا يوصف من الرضا عندما رأيت السعادة تتراقص في عيني الطفل الذي قبل بصعوبة الهدية فقد ورث “عفة النفس” من أسرته المعدمة التي تكافح لتدبير قوت يومها. 

 طالبت أصدقائي بتنظيم مباراة مهمة خلال أيام، واستفسروا بفضول عن أسباب وجود مكان شاغر بقائمة الفريق، فأخبرتهم بأن لاعبا جديدا سينضم لنا قبل المباراة بلحظات، وفي يوم المباراة ذهبت لمنزل الطفل وطالبته بارتداء الزي الرياضي واصطحبته إلى الملعب، وبينما اصطف لاعبو الفريقين انتظارا لبدء المباراة طالبت ابن بائعة الخبز أن يركل الكرة ليعلن.. 


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.