وليد الزهيري
اللوحة: الفنان السعودي عبد الله الشيخ
(1)
تعرفتُ عليه كاسم من خلال فيلم سينمائي مأخوذ عن نص أدبي له، أدركتُ حينها أنه مختلف، رأيتُ مقالًا له بعد سنوات خانتني الذاكرة حينها إن كان هو أم لا؟! تتبَّعتُ مقالاته، تكلم في إحداها عن بطل روايته الفيلمية كشيء أشبه بالتتمَّة لما جاء ذكره من قبل، لهثتُ خلفه على الإنترنت متتبعًا خطوات صاحب رواية (مالك الحزين).
وجدتُ أن ما كُتب عن الكاتب الكبير (إبراهيم أصلان) أكثر مما كتبه هو، أصبحتُ كأحد مريديه متشوِّقًا لمقالاته الأسبوعية، تعرفتُ عليه عن كثب على مدار سنوات عبر مقالاته، رافقتهُ في رحلاته المكانية (شرقًا وغربًا)، والزمانية منذ أن كان طفلا إلى أن أصبح يافعًا بين رفاقه في إمبابة، لهوتُ معه على شاطئ النيل، سرتُ برفقته مع الشيخ حسني بطل (مالك الحزين)، حملتُ عنه حقيبة (البوسطة) في أول أيام تعيينه بمصلحة البريد، عشتُ لحظات خوفه وخجله وتأثرتُ بدماثة خلقه، ناولتهُ دواءه في مرضه، جلستُ على المقهى بجواره قريبًا له كظل شجرته التي في مكتبه.
أدركتُ محيط حياته، وأصبح أصدقاؤه أصدقائي، حزنتُ لمن مات منهم وفرحتُ لنجاحاتهم، عرَّفته كذلك على أصدقائي وكل من حولي، فلم يخلُ مجلسًا لي إلا وكان حاضرًا معي، ذكرته لمن يعرفه ومن لا يعرفه، تأثرتُ مثلما تأثر هو بالمهمشين، شعرتُ بأنَّاتهم تلمست أوجاعهم وداريتُ خزيهم، رأيتُ الناس من خلاله وأحسست بهم.
(2)
حضرتُ أثناء إقامتي بالكويت فعاليات الأسبوع الثقافي المصري الكويتي في مكتبة عبد العزيز البابطين للشعر العربي ، شارك خلالها الكاتب (جمال الغيطاني) بندوتين على يومين متتاليين، تناول في الأولى (كتاب وصف مصر)، وأثناء خروج (الغيطاني) عقب ندوته من القاعة إلى (اللوبي) تبعته تاركًا مقعدي بالصفوف الخلفية، وهو يحاور كثيرين من المتحلقين حوله، يستزيدون من فيضه، ترقبته مسترقًا السمع محاولًا تنقية نبرات صوته من بين همهمات المتزاحمين وضجيج (الهواتف الجوالة)، لم تسنح لي فرصة الاقتراب منه أكثر من ذلك كي أبوح له بما يجيش في صدري.
اتخذتُ مقعدًا على مقربة من الصفوف الأمامية في اليوم التالي، وقال (الغيطاني) في ندوته الثانية التي كانت تحت عنوان (قاهرة نجيب محفوظ) إنه لم يخلص أديب لمدينة مثلما أخلص محفوظ للقاهرة، وأنها كحيز مكاني تعتبر حالة ثرية ثقافيًّا وتاريخيًّا وإنسانيًّا، لأن أحياءها تغوص بك في أعماق التاريخ بشكل أفقي من خلال أزمنتها المتجاورة، عقب الندوة كان الملتفون حوله أقل من أمس، دنوتُ منه بقدرٍ يسمح لي بتوجيه سؤال إليه:
– حضرتك بتشوف الأستاذ (إبراهيم أصلان)؟
باهتمام بالغ، هز رأسه مؤكدًا:
– أيوه بشوفه.
نظرت في عينيه.. ونظر في عيني، فقدت النطق للحظات.. كسر حاجز الصمت بكلمة:
– هقوله.
ابتسمت له مبديًا امتناني!! رغم علمي أن (الغيطاني) لا يعرفني.
(3)
في إجازتي التالية قادمًا من الكويت لقضاء شهر رمضان في مدينة الألف مئذنة، عقدتُ العزم على أن أسعى للقاء (أصلان)، ولم لا ألتقي بمن تذوَّق مرارة الغربة مثلما تذوقتُها؟! لم لا أخبره بأنني هنا وأريد لقاءه؟! اتصلتُ بمكتب جريدة (الحياة) اللندنية في القاهرة بحي جاردن سيتي:
– ألو، لو سمحت ممكن تحولني على مكتب الأستاذ (إبراهيم أصلان)؟
ـ الأستاذ مش موجود، في إجازة لنص رمضان.
أصابني الإحباط بعض الشيء:
ـ طيب متعرفش ممكن يكون فين الأيام دي؟
ـ لأ.
ـ طيب ممكن رقم تليفونه؟
ـ حضرتك مين؟
ـ أنا… لأ هو ما يعرفنيش، بس أنا اسمي (وليد) جاي إجازة من الكويت ونفسي أقابله.
ـ آه.. والله ماقدرش أعطيك رقم تليفونه.
ـ طيب هتصل على نص رمضان ممكن يكون رجع؟
ـ إن شاء الله، مع السلامة.
ذهبتُ إلى بعض المصالح الحكومية بوسط البلد متأففًا من بيروقراطية الموظفين الذين لم تتغير عقولهم الإدارية ممسكًا على صيامي، بعد انتهاء مواعيد عمل المصالح الحكومية أخذتني قدماي إلى جولة في بعض مكتبات وسط البلد بداية من مكتبة (عمر بوك ستورز) في أول شارع طلعت حرب ثم (مدبولي) و(الشروق) في الميدان، خرجتُ من تلك الجولة بصيد ثمين لبعض الكتب حملتها في كيس بلاستيكي.
(4)
طال بي التسكع إلى أن وصلتُ إلى مقهى (ريش) العتيق الذي ضم بين جنباته مبدعي مصر على مدار قرن ونصف القرن من الزمان، مفكرين، كتاب، أدباء، وشعراء، بل إن زلزال 1992 كشف عن ممر سري إلى سرداب المقهى به آلة طباعة استخدمت لطباعة المنشورات السياسية إبَّان الاحتلال البريطاني لمصر، ومن بين رواد (ريش) عم (إبراهيم)، علمتُ هذا كثيرًا فيما قرأته منه وعنه.
خطوتُ خطوات داخل المقهى الخالي في ذلك النهار الرمضاني إلا من منضدة يجلس عليها بعض الأجانب، على يمين الباب مكتب خشبي ذي طراز قديم بني قاتم، جلس أحدهم خلف المكتب يراجع دفترًا أمامه، وعلى المقعد المقابل له يجلس رجل يقترب من الستين، شعره الأبيض يلف رأسه من الجانبين فقط، ذو صلعة براقة، ممتلئ قليلًا، يرتدي قميصًا خفيفًا نصف كم فاتح لونه يتلاءم مع ذلك النهار القائظ، وبنطلون أسود يبدو الوقار على هيئته، يعد عملات ورقية من فئة المائتي جنيه، توجهتُ بسؤالي إلى من يجلس خلف المكتب:
ـ السلام عليكم، من فضلك الأستاذ (إبراهيم أصلان) بييجي هنا والله؟
ـ إبراهيم، إبراهيم مين!
تدخَّل في الحوار من يجلس أمامه، بصوت ينم على أنه صاحب سلطان هنا.
ـ أيوه بييجي.
ـ ما تعرفش والله على الساعة كام بيمر؟
تطلع إليَّ من أعلى إلى أسفل، توقفت عيناه على الكيس الشفاف الذي أظهر الكتب بداخله، معتقدًا أنني أحد المهووسين بالمشاهير:
ـ لأ مالوش مواعيد.
ـ يعني ممكن إمتى تقريبًا؟
عاد بنظره إلى عملاته الورقية بعدما أنهى عدها وبرمها دائريًّا إلى أن أصبحت بحجم السيجار.
ـ مافيش ميعاد محدد.
ـ متشكر، سلام عليكم.
مستمرًّا في عده وبرمه:
ـ وعليكم السلام.
(5)
عاودتُ الاتصال بمكتب (الحياة) بعد منتصف رمضان:
ـ ألو، الأستاذ (إبراهيم) رجع من الإجازة؟
ـ أيوه رجع.
ـ والله طب هو موجود؟
ـ لأ مش موجود، ثانية واحدة أديك رقم موبايله؟
انتفضت في سعادة بالغة صامتًا:
ـ اتفضل.
ـ رقمه ×××××××××01
ـ متشكر جدًّا.
وفي المساء:
ـ ألو، الأستاذ (إبراهيم أصلان)؟
جاءني صوت رخيم هادئ استشعرت الطيبة في نبراته:
ـ أيوه، مين معايا؟
ـ أنا والله اسمي (وليد) مقيم في الكويت وحاليًا في زيارة لمصر.
ـ أهلًا وسهلًا.
ـ سألتُ على حضرتك في (الحياة) وعرفت إنك رجعت من الإجازة.
ـ أيوه.
ـ ممكن أستأذن حضرتك في لقاء.
ـ خير؟
ـ أبدًا، والله بس أنا من قرائك ونفسي أتعرف على حضرتك.
ـ الأربع بعد الضهر كويس؟
ـ كويس، ممتن جدًّا لحضرتك.
ـ مفيش أي حاجة.
ـ مش قادر أوصفلك سعادتي إني سمعت صوت حضرتك.
ـ متشكر، متشكر.
(6)
طلبته وأنا على مقربة من جاردن سيتي قبل الموعد ولم يرد.. كررتها مرات ومرات دون جدوى، عدت من حيث أتيت، عاودت الاتصال مساءً:
ـ ألو (وليد) مع حضرتك، اتصلت الصبح حسب موعدنا.
ـ أيوه معلش.
ـ لو تحب حضرتك ممكن أقابلك الليلة في أي وقت وأي مكان يناسبك.
ـ ظروفي مش مناسبة حاليًّا توفي صديق لي اليوم.
ـ الله يرحمه.
ـ طيب خلينا على اتصال الأسبوع الجاي.
ـ أي يوم حضرتك تحب؟
ـ مش هتفرق أي يوم.
مضت بضعة أيام وأوشك رمضان على الرحيل، طلبته في أسبوعه الأخير:
ـ اتصلت بحضرتك لتحديد وقت مناسب للقاء.
ـ الحقيقة مشغول جدًّا، عندي تكريم في (الشروق) والوقت صعب شوية، أنت كنت عاوز تقابلني ليه؟
ـ أبدا – تلعثمتُ قليلًا وصمت هو للحظات تاركًا لي المجال محاولًا أن يستنطقني ـ نفسي أشوف حضرتك.
ـ خلينا على اتصال لما تسمح الظروف.
ـ إن شاء الله.
(7)
مرت بضعة أيام وعاودت الاتصال مجددًا:
ـ أستاذ (إبراهيم).
ـ أهلا وسهلًا.
ـ معلش بعتذر لحضرتك الظروف ما سمحتش نتقابل، أنا في المطار وراجع للكويت.
صمت للحظات.
ـ ظروفنا إحنا الاتنين ما كانتش مناسبة.
ـ إن شاء الله تكون هناك ظروف ملائمة الإجازة الجاية.
ـ إن شاء الله.
ـ ربنا يديك الصحة ويخليك لنا يا أستاذ.
ساد الوجوم قليلًا.
ـ متشكر يا (وليد).. إن شاء الله نتقابل على خير.
انتهت المكالمة مع نهاية إجازتي.. سافرتُ مستعذبًا مخالطة لساني للسانه.
(8)
إلى هنا انتهت القصة التي نُشِرت في مجموعتي القصصية الأولى (ليدي من وسط البلد) نوفمبر 2011 عن دار أخبار اليوم، والتي لم أذكر بها السبب الحقيقي وراء إصراري على لقاء عم (إبراهيم).. خشيتُ أن أذكره.. ربما تقع القصة في يده ويعرف ما وددت أن أحتفظ به لنفسي حتى أرويه عليه وجهًا لوجه.
والآن.. والآن تعني الآن.. في التو واللحظة.. سمعت خبر وفاة عم (إبراهيم) عن عمر يناهز 77 عامًا، مع قدر من الديباجة التي تقال دائمًا في مثل هذه الأحوال كلما فقدنا أحد الأعلام.. ومر الخبر مثل أي خبر.. والآن أيضًا لم أعد قادرًا على كتمان سبب إصراري على هذا اللقاء.. ربما يسمع مني ما تمنيت أن أقوله له:
ـ عم (إبراهيم).. إزي حضرتك، إن شاء الله تكون في مكان أحسن، والله في جزء لم أذكره في كلامي من قبل، وهو إني بدأت في متابعة مقالاتك المنشورة على موقع جريدة الأهرام الإليكتروني كل (تلات) من سنة 2005، أه والله يا عم (إبراهيم) من 2005.
أصبح قراءة مقالك الأسبوعي أحد طقوسي الخاصة، كانت تمنعني ظروف عملي في بعض الأحيان من القراءة في نفس اليوم.. ولما كنت أدخل على (الويب) في اليوم التالي لقراءة المقالة على رواقة.. أجد أرشيف الأهرام مغلقا وغير مسموح به إلا لمن يستخدم رقمًا معينًا لدخول الإنترنت، وكان من الصعب عليَّ الوصول لأرشيف الأهرام.
طرأت على ذهني فكرة، أن أنسخ المقال وأنقله إلى ملف (وورد) كلما حالت ظروف عملي دون القراءة لأستمتع بقراءته في وقت لاحق.. وهكذا يا عم (إبراهيم) ملف (الوورد) كبر، وعلى مدار سنين تجاوز الـ400 صفحة.. آه والله تجاوز الـ400 صفحة، تخيل حضرتك ممكن يكونوا كم أسبوع، وكم شهر، وكم سنة.
وفي إحدى مرات إضافة مقالة جديدة، طقِّت في دماغي فكرة مجنونة، قلت لما أنزل إجازة لمصر أنسخ نسختين من المقالات، أحاول أوصلك وأطلب توقيعك على نسخة منهم لي محتفظًا بها لنفسي للتفاخر بها أمام أولادي، وبأنني صاحب النسخة الوحيدة الممهورة بتوقيعك.
والنسخة التانية كان نفسي أقدمها لحضرتك.. يمكن دأبي على جمعها يدلل على مكانتك عندي.. لكن مع الأسف الظروف ما سمحتش.. زي ما أنت عارف.
مش عارف أقولك إيه والله .. مع السلامة يا عم إبراهيم الله يرحمك.
لقد طلب الكاتب أن تكون قصصه وكتاباته المنشورة في الحانة في نفس اليوم الذي كان ينشر فيه الأديب الكاتب إبراهيم أصلان مقاله الأسبوعي بالأهرام تيمنا به، وتقديرا لذكراه.
شكراً جزيلاً على التنويه
وليد الزهيري
إعجابLiked by 1 person
اهلا بك استاذ وليد
إعجابإعجاب