نورة عبيد
اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي
ألا يزال يفاجئك الخريف؟
مرّات حين يفاجئني الخريف أعود أبحث عن صورتي في التّفاصيل. بقي يردّد ذلك حتّى تكتشف نبرة الصّوت المنبعث عبر الأثير في هاجرة عصماء من شهر أوت. في تحفّظ أجابت أنّ الخريف لا يغادرها وهي لا تزال تنتظره. لكنّها راوغت القصيدة وقرّاءها حين ادّعت أنّه يفاجئها. قهقه في تتال وأضاف أنّها لا تزال في ألق الفتنة والمفاجأة. وألحّ عليها أن تَذْكُر من هو؟
كعادتها لا تقوى على التّفكير في شيء تحت ضغط النّتيجة الآنيّة. وبشفافيّة ما دار بينهما منذ لحظات تيقّنت أنّه يعرفها ويعرف عنها. فعليها أن تسترشد لباقتها حتّى لا يشعر مُخاطبها أنّه منسيّ.
سكن النَّفَسُ. لفّها الصّمت المتواصل، تثبّتت في رقم الهاتف: الرّمز داخليّ حتّى أنّه من جوار المدينة التي تقطن بها.
أخبرته بذلك غير أنّها لا تعرف أحدا تبادلت معه حديث الشّعر والكتابة. ازدادت قلقا ولهفة لمعرفته. أضاف أنّه من عسر فجوج السّنين الضّائعة. تذكّر الهاتف القارّ لأختها، وعبرها طار الصّوت للصّوت.
– لم يتغيّر الصّوت، لا يزال وبريّا وطفوليّا. لم تنسيْ الكرّ والفرّ في المحاورة. بل لازالت ضحكتك شافّة، وإنّي لأستحضر ابتسامتك حين تستدعين عبق المحادثة.
– تسقط الأسماء أحيانا.
– شكل منارة تشتهي الدّنيا عمارا. (وذلك أيضا من نسج حروفها)
في حياء عجّت بأصوات: أهو الأوّل أو الآخر. الدّاخليّ الذي يعيش بأرضنا أم المهاجر المتدحرج من سمائنا؟ راتق درب الحمام إلى سجع المعاني أم فاتق أسراب الحنين إلى فجوج الكمان؟
واضع لآلئ الأماني أم غاسق صحو القمر في الأغاني؟
تعتقد أنّها تتعقّل صوت الثّاني لأنّه رفيق السّنوات الحبلى بالتّوتر والوتر. متأكّدة أنّ صوته بُردة مهجتها لعمر يعزّ على النّسيان.
على شفا السّماعة الأخرى أيقظ غفوتها الرّوحيّة وأعلن انتماءه للوطن. إنّه المواطن المولع باللّعب في أناشيد الشّعراء. في تسامح رهيب أخبرها أنّ أختها خلطت بين اسميْن متطابقيْن.
– أعرف أنّي لم أغادرك، شيء ما يوحي باللّقاء ولو بعد عشر سنوات.
تركتك حين كنّا بالجامعة دون سبب. ولهذا ودون سبب لم أستطع أن أغفر لنفسي سبب معاودة السّؤال ومحو السّبب.
لا أزال أتشمّم ضحكات الوجوديين، مولع برغباتك في القراءة المجمّعة والمساءلة المجنونة لما يشبه القدر.
مولع بتنقّلك بين أروقة الاختصاصات في الجامعة. فلا نعرف هل أنت من معشر الزّاحفين نحو الأدب أو الفلسفة أو علم النّفس أو علم الاجتماع، تدّعين أنّك نحلة، رحيقك المعارف. تسخرين من الطلبة حفظة الدّروس.
تشقّق القلب عن وحدته حين أخبرتني أختك أنّك لم تتزوّجي بعد. تراقصت سنوات الانتظار في السّرّ. في لفح الحرّ تهاطل العرق. جامد على هذا الكرسيّ في هذا المكتب المشتعل في هذه الهاجرة.
مسكت السّماعة بيدي اليسرى وباليمنى سوّيت رقبة قميصي فقد لفّني القلق. شكرتها. وها إنّني أعيد تشكيل بقع التّوت الأسود على صوتي وأنا أسترفد عشق لقاء الصّور.
أعرف أنّه هاجر حينها وفي سرّي ائتمنته عليك. فقد رضيت به حبيبا لك.
أعلم ساعتها أنّ الكتابة والقضايا الحارقة لبوسك معاشا وسباتا. فقد جرّبت وتأكّد لي أنّك تضجّين بالسّؤال. وهذا يمحو في لحظة كلّ محبّ.
لا تأسفي ولا تنبسي بشجن. هو مهاجر وأنا نازح. هو تاه عنك وأنا تائه فيك. وأنت هنا ماثلة بين الاسمين لتجسير الاحتمال بباقي اليقين وتبر لألاء بما لم يكن.