أرواح مؤتلفة

أرواح مؤتلفة

أمل بشير

اللوحة: الفنان الدانماركي بيتر مونستد

نظرت من حولها بعد أن استمتعت برحيق زهرة الاقحوان رائعة الجمال في حديقة الورد حيث اعتادت أن تتناول طعامها، لطالما شكل رحيق تلك الازهار أشهى وجبات تضاهي ما تقدمه مطاعم الخمس نجوم لزبائنها

كان البستان في آخر الطريق المؤدي إلى البحر في حي هادئ يسكنه بشر مسالمون فلم يكن حيا مكتظا بالسكان بل اقتصر على بضعة وعشرين بيتا يسكنها موظفون يعملون لدى إحدى المشافي فمنهم من يعمل في المجال الطبي أو غير ذلك وكان أطفال ذلك الحي أقل أذية من سواهم من جيوش الأطفال فلم يعتادوا شن هجوم على البستان أو قطف ازهاره، هناك بعد الحوادث بالطبع حيث اجتاحت جيوشهم البستان واصابته بالضرر لكنها كانت ولله الحمد والمنة قليلة.

حلقت بتكاسل قريبا من الأرض تتباهى بجمالها حين تنظر لانعكاس صورتها على الازهار وفوق المرج الأخضر فتعلو بطيرانها تارة وتنخفض تارة أخرى وتغني لحنها حين تصدر ذاك الطنين سعيدة تزودها أشعة الشمس ونسمات الهواء بطاقة من الفرح وتنفض الغبار عنها لتصبح تلك النحلة المعروفة بنشاطها فيضرب بها المثل.

انطلقت فرحة نشطة تزيد من قوة طنينها وسرعة طيرانها باتجاه البحر فقد كانت تعشق التنزه على شاطئه وقت فراغها بعد أن تنهي امتصاص الرحيق وتمتلئ بكل ما تستطيع حمله منه وبعد أن تفرغه في منزلها – تلك الخلية – أعلى شجرة البلوط القديمة فتنهي بذلك واجبها الوظيفي لذلك اليوم

كانت تراقب الأطفال يلعبون ويتراكضون والكبار يجلسون يستمتعون بالهواء يتجاذبون الأحاديث أو يقرؤون من كتبهم أو يغمضون أعينهم ويستسلمون لصوت البحر ليحملهم في رحلة يفرغون همومهم فيه ويحلمون بكل ما تتمناه قلوبهم

كانت تستمتع بالتنصت على الأصوات العديدة لضحكات البشر وصرخاتهم أو غنائهم، تختلط جميعها بهدير مياه البحر وهفيف نسمات الهواء وحفيف الأشجار

نظرت بتمعن فرأت كرسي السيدة رزان فارغا عجبت لذلك منذ سنوات، تراها كل صباح تجلس على كرسيها تنظر للبحر وتقرأ كتابها وتقضي ساعات تحدق احيانا في السماء أو البحر تداعب الصغار المتراكضين تلقي بالتحية بابتسامة ساحرة أو تردها بإيماءة من رأسها

رزان سيدة في أواسط الخمسينيات من العمر جميلة باعتدال تمتلك جاذبية صارخة من الصعب ألا تلاحظ وجودها ذات ملامح هادئة، كان صوتها حنونا كحضن الأم عميقا كصوت الحكماء، هادئا كنسمة الصيف جميلا كفراشة ملونة دافئا كفنجان قهوة في برد الشتاء

كانت تسمعها وهي تدندن احيانا تلك الأغنية القديمةانا بعشق البحر علشان زيك يا حبيبي حنون وساعات زيك مجنون….

كانت دائما تجلس لساعات ثم تقترب من الشاطئ تمشي حافية، تداعب الرمال بقدميها، الناعمتين كقطعتين من لؤلؤ أو مرمر، وكأن الرمال كانت تعشق مداعبتها فتنزلق من بين أصابعها وتتنافس لتعود من جديد فتنزلق من بينها، وعندما تصل للشاطئ كانت تقف على طرف الماء فترفع طرف فستانها، لتكشف عن ساقيها الجميلتين اللتين تشبهان عمودين من الرخام المصقول، تقف في سكون تام وتترك الأمواج تتسابق لتلمس ساقيها وقدميها وكأنها تلعب لعبة الصغار فمن يصل ليلمس الحائط اولا هو الفائز.

جن جنون النحلة فبدأت تطير أعلى وأسفل تنظر للبعيد، لعلها غيرت مكان كرسيها أو ربما ستأتي في أي لحظة ربما فقط اخرها طارئ ما! بدأت تنظر حولها كأنها تسأل

الأشياء عنها تسأل البحر أين السيدة رزان ألم تفتقدها؟ تعاتب الرمال لأنها لم تبحث عنها وتسال المارة كيف تستمتعون بالشاطئ بدون السيدة؟

بقيت تجوب المكان جيئة وذهابا إلى أن أصابها التعب واستدركت انها لم تتبعها من قبل لتعرف أين تسكن

كان الجميع يخاف اقتراب النحلة منه إلا هي، تخاطبها وتحكي لها عن تلك السنوات التي قضتها برفقة من كانت وحيدة بينهم رغم وجودهم تحكي عن ابنها الذي سرقه الموت شابا فبكته حتى جفت انهار الدموع ولم تعده، عن الزوج الذي لم يحتمل حزنها وبدلا من أن يكون سندا فضل أن يبحث عن عيون أخرى لا دموع فيها، عن كل من كان حولها ورحل

كانت احيانا تقرأ لها من كتابها بصوت مرتفع كأنها تود أن تشاركها مضمونه، كانت النحلة دوما تحتار هل يمكن أن يكون البشر بهذه الوحدة هل يمكن ألا تصبح تلك الخلية التي يدعونها أسرة منزلا يحتويهم؟ هل يمكن أن يفقدوا طنين الحوار بينهم لدرجة يختاروا فيها محادثة من قد لا يفهم همهمتهم؟ ولكن النحلة تشعر بكل ما في عيون تلك السيدة من ألم يعتصر قلبها وروحها كانت تعلم أن رحلتها في الحياة لم تكن يسيرة رغم أنها لم تفهم حركة شفاهها أو ذلك الصوت الذي تصدره، ورغم كل هذا تعلقت روحها بها رغم اختلاف الأجساد تبقى الأرواح بيد الله يجمع منها ما يشاء ويفرق ما يشاء كيفما يشاء

بدأ الإحباط يثقل كاهل نحلتنا، وفجأة لمحت طيف السيدة من بعيد يتهادى على الرمال فهبت نسمة ريح قوية يبدو أن الرمال استعطفتها لتفعل فتحملها لترحب بالسيدة واستغل الموج تلك الريح فصفقت امواجه طربا ودبت الحيوية والنشاط مرة أخرى بعزيزتنا النحلة فحلقت بجوارها تحرك أجنحتها وتصدر صوت طنينها فرحا بها

كأن السيدة فهمت تلك النظرة المتسائلة بعد أن جلست وذلك الترحيب الحار فنظرت للنحلة التي اعتادت الوقوف على يد كرسيها، وقالت اليوم تأخرت قليلا فقد ذهبت لزيارة قبر ولدي الذي يقبع في بقعة ما من السماء الشاسعة فقد كان طيارا احترقت طائرته في الجو فور إقلاعها وانا اذهب لتلك البقعة من الأرض التي شهدت ما ألم به ورأته يختفي شيئا فشيئا وربما حوت بعضا منه أو خبأت قطعة من روحه.

صمتت السيدة ومضت برهة لمعت عيونها وضمت شفتيها ثم فتحت كتابها وعاد الصمت يملأ المكان

 نامت نحلتنا متعبة بعد أن قررت أن تتبعها اليوم لتعرف أين تسكن فتطمئن عليها باستمرار

فمنذ اليوم باتت مسؤولة عنها.. خفت صوت الريح وهدأ البحر واستقرت الرمال كأنهم لم يريدوا أن يزعجوها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.