اللوحة: الفنان العراقي سبهان الغبشة
عندما أرسلوا في طلبي للإدلاء بشهادتي أمام المحكمة، لم أتأخر إذ توقعت ذلك منذ فترة، تأهبت للأمر جيدًا، وإن كنت لا أخفي أن وجلًا شديدًا سيطر عليّ، تزايد بمرور الوقت فالموقف جديد والشهادة تحت القسم تحمل معاناة كبيرة لا تطيقها نفسي ويضطرب لها جسدي.
ذهبت في الموعد المحدد، مثلتُ أمام القاضي، الذي حدّجني بنظرة نارية نفذت إلي عظامي، سألني ماذا تعرف عن الواقعة ؟ ثم اثنى بقوله: حريّ بك أن تنطق صدقا.
قلت: الحق أن الرجل كان يأتي صبيحة كل يوم في تمام التاسعة، لم يتخلّف صيفًا أو شتاءً، يُقبل من ناصية الميدان الكبير، يسير بجوار حائط المدرسة القديمة، يتكاسل قليلًا بفعل السن وضعف جسده، ثم يتوقف بجانب بناية هجرها سكّانها منذ زمن، يتحسس أحجارها بشغف ويقبّلها واحدة بعد الأخرى، أقسم أني رأيت ذات مرّة دمعة تنحدر سريعًا على خدّه..
ثم صمتُّ لألتقط أنفاسي، فعاجلني القاضي بضجر: انتهيت؟!
- يا سيدي، الرجل يأتي يوميًا في نفس الموعد، يسير ذات الطريق ويمارس طقسه دون تخلّف، رأيته وأنا صبيّ غض، وأنا شاب يافع يندفع بين شعاب الحياة، ثم عاصرته وأنا كهل يتوارى خلف نضجه، متدثّرا بحكمة واهية، بصوت رخيم لا أثر لحياة فيه.
سألني القاضي من فوق منصّته: ربما تخلّف عن موعده يومًا؟ أو ربما غافلتك الحياة أو أصابتك سنة من نوم فلم تلحظه مرّة.! فهل فعلت؟!
غرقت في مقام الحيرة، فاعتصمت بالصمت، وعقلي يرتج بعنف كمرجل بخاري يوشك أن ينفجر، دقيقة أو أكثر ثم نطقتُ: أجزم أن سلطان النوم ربما هزمني ذات يوم وأطبق على أجفاني فمنعني الرؤية السليمة، ربما يا سيدي… أعتذر.
هوى القاضي بقبضة يده على المنصة فأحدث دويًّا شديدًا ثم نطق: كذبت وأنت تحت القسم.
– لم أكذب، فقط نسيت، للمكان رهبة وأي رهبة.!
قال: تغافلك يعني أنك بأعماقك تريد المواراة، تبغي إنكار الحقيقة.
أجبته سريعًا: ما يعتمل بداخل نفسي محرّم على إنسان معرفته حتى ينطق به لساني.
قال: المنصة قادرة على قراءة أعماقك.. ثم وقف وحمل أوراقه وغادر القاعة غاضبًا يجرجر عباءته الطويلة السوداء ويتدلّى من رقبته وشاح أخضر اللون، تزيّنه نجوم وصقر مهيب ذهبي اللون.