أمنية وعذاب

أمنية وعذاب

د. محمد جابر لطفي

اللوحة: الفنان السوري أنس سلامة

الصمت يسرى ويترقب.. هل أستطيع أن اعد حتى الرقم خمسة فى سلام هذه المرة.. واحد.. وأخذت نفسا عميقا إثنان.. ثلا.. لا لا.. مرة أخرى.. الرحمة.. ليس هذا.. لابد وأنى أحلم نعم.. نعم.. هذا مجرد حلم لا.. لا.. أنه كابوس.. أصبح يقيم داخلى ولا يعرف إلى أين يرحل.. أرهفت أذناى.. ليس هناك أى صوت.. سوف.. لا.. لا.. ها هى الكف الصغيرة البيضاء تهم بالحركة.. أراها ترتفع قى رقة وتهبط لتدق أبواب أذنى بلا رحمة.. كنت فيما مضى أسرع فى لهفة.. أفتح الباب أدعوها.. أضمها بين أحضانى أتركها تعانقنى تتشبث بى وكأنها تخشى أن تغيب عن عيونى.. لكنى الآن أصبحت فزعة من تلك الدقات الخافتة التى تكاد تذهب بعقلى الحائر. إنزويت فى أقصى الغرفة أرتعد من صرير الباب وكأنه يدعوها.. يناديها هيا هيا ها هى الضحية تنتظر السكين.. وأخيرا رأيتها وهى تخطو على مهل.. ترتدى ثياب المدرسة وابتسامتها الرائعة تجذبنى اليها وهى تمد يديها فى حنان.. هيا عانقينى.. احملينى أين هى الشوكلاتة يا أمى.. أخذت أنظر فى كل مكان.. إلى أين أهرب هذه المرة.. النافذة.. نعم نعم.. هى النافذة.. أسرعت إلى النافذة.. فتحتها على مصراعيها.. نظرت خلفى فى رعب.. ولكنى لم أرها.. لم يكن وهما.. لا.. لا سوف تأتى من أجلى مرة أخرى.. ولابد من الهرب.. هممت بالقفز من النافذة.. لأجدها تنظر إلى فى براءة.. وخوف.. لا تتركينى يا أمى ضمينى إليك ولو لمرة أخيرة.. أخذت أصرخ وأصرخ وكأن صراخ كل الكائنات لم يجد ملجأ إلا فى متاهات نفسى الملتاعة.. نظرت إلى فى يأس.. ودعتنى والندم يلفها ثم تلاشت فى سلام.. 

 لملمت شتات نفسى.. مسحت دموعى أغلقت النافذة.. ذهبت إلى المطبخ كى أعد الطعام.. هناك.. رأيت الصمت ينمو على الجدران.. كل شئ يغفو.. وانتظرت.. سوف أستطيع هذه المرة أن أصل إلى خمسة.. واحد.. إثنان.. ثلاثة.. أر.. أمى.. أمى.. أين الشوكولاتة.. وجدتها تمسك بثيابى فى إصرار.. دفعتها بعيدا عنى.. لا أريد أن أراك.. إرحلى أيتها الشيطانة الصغيرة.. إذهبى بعيدا من أجلى.. مرة واحدة فقط.. أتوسل إليك.. إنظرى.. لقد أحضرت الشوكولاته من أجلك خذيها وارحلى.. إرحلى من أجلى.. مدت يديها البرئيتين لأعطيها قطعة الشوكولاتة القديمة.. لم يوقظنى إلا صوت تلك القطعة وهى تسقط إلى الأرض، وتصدر رنينا يلف الكون كله ثم يعود يدق على أبواب أذنى بلا إنقطاع.. ذهبت ولم تأخذ تلك القطعة الملعونة.. نظرت إلى الساعة.. وجدتنى قد تأخرت عن إعداد الطعام.. لكنى رأيت وجهها الصغير يسكن خلف زجاج الساعة يسرع حتى لا تلدغها عقاربها.. مددت يدى إليها وأنا أراها تبكى.. أسرعت لأخرج من المطبخ.. ربما لو ذهبت لحجرة أخرى أستطيع أن أعد حتى الخمسة هذه المرة.. كل مادة الحساب التى درستها فى مراحل عمرى قد أختزلت إلى مجرد خمس أرقام لا أستطيع أن أصل إلى منتهاها.. لا لا.. لابد وأننى محظوظة.. إذ ربما لا يستطيع آخرون أن يصلوا إلى ثلاثة أو حتى إثنين.. هنأت نفسى على حظى السعيد.. وضحكت فى مرارة إلى أن داهمنى الصمت الكريه ليدفعنى دفعا كى أبدأ فى العد مرة أخرى. 

رأيت الشمس تصعد من قبرها الغربى.. تنهض إلى كبد السماء تحرق السحب ثم تغوص فى مهد شرقى إتخذ من الفجر غطاء.. إعتادت الشمس ذلك المسار العكسى، ورأيتها وهى تأمر كل شئ بأن يعود كما بدأ.. رأيتنى وأنا أصحو كل يوم أذهب إليها أطبع على وجنتيها قبلات ساذجة، أراها وهى تتفتح أمامى كزهرة يانعة تهدى إلى إبتسامة ذات أنوار.. كانت هى طفلتى الوحيدة التى تملك مفاتيح حياتى الصغيرة.. كانت تلك تجربتها الاولى فى الذهاب إلى المدرسة.. وكذلك كنت أنا.. أم لا خبرة لها.. تتعلم.. كيف توقظ طفلتها الصغيرة.. تساعدها لكى ترتدى ثياب المدرسة الوردية.. وكانت تذهب وتتركنى كل صباح.. كنت أقبلها.. أحملها.. أضمها، أعطيها الحلوى، أنظر إليها وهى تركب سيارة المدرسة حتى تغيب عن عينى.. التى كانت ترقب عقارب الساعة وهى تتسارع وتتراكض حتى يحين وقت عودتها إلى البيت.. كنت أرهف أذناى حتى أسمع دقات كفيا البرئ على الباب وهى تنادينى.. لقد جئت يا أمى.. أين الشوكولاته؟ 

كان اليوم هو أول أيام الشتاء.. أمضيت المساء أشاركها فى حل أسئلة الحساب.. وحل الصباح.. قالت لى وأنا أوقظها.. أمى لا أريد الذهاب إلى المدرسة اليوم.. أنا مريضة.. وابتسمت.. دغدغتها وأنا أضحك.. ليس المرض ياحبيبتى هو السبب بل هو الأمتحان.. لا.. لا.. يا أمى.. أحس بحرارة تدب فى رأسى ووجهى.. مسستها فى رفق لم أجد شيئا.. إبتسمت فى هدوء ثم أتيت بحكمة قديمة تعلمتها من سابق الأيام.. الإمتحان كالقطار يا عزيزتى ننتظره ولا ينتظرنا.. هل ينتظر القطار أحدا قالت فى عذوبة.. لا يا أمى.. قلت إذن سوف نذهب إلى المدرسة وعندما تعودين سوف تجدي الشوكولاتة والحلوى فى الإنتظار.. وأكثر.. 

أيقظنى جرس الهاتف.. هرعت كى أجيبه وإذا بها مدرسة طفلتى.. سقط فؤادى فى بئر الخوف.. ربما تكون مريضة.. وتريد أن تعود.. إنتظرت وأنا أسمع دقات قلبى تدق على كل الأبواب.. فإذا بها تقول فى براءة.. أين أمنية اليوم؟ هل هى مريضة؟ قبل أن أقول لها كيف عرفتى أنها مريضة سارعت وقالت إذا لم تستطع الحضور اليوم إلى المدرسة فلا بأس.. صرخت فى فزع.. ماذا؟ لقد ذهبت إبنتى إلى المدرسة من نصف ساعة.. لآ.. لا.. منذ خمس وعشرين دقيقة بالضبط، وكانت أول طفلة تركب سيارة المدرسة.. ثم.. ساد الصمت.. تسارعت أسئلتى أين.. كيف.. لم…. متى؟ حتى أخبرتنى أنها سوف تبحث الأمر.. رجوتها ألا تتركنى فى لوعتى.. لا.. لا.. قلت لها.. سوف آتى إلى المدرسة لأرى ماذا حل بطفلتى.. لم أدر كيف أرتديت ثيابى.. هل وجدت حذائى أم لعلى سرت بدونه.. لم أر أية سيارات ولا مارة.. كل ما كنت أراه وجهها الذى ودعنى فى براءة وتركنى فى عالم بلا أمنيات.

أسوار المدرسة تبدو ملأ الأفق وقد إلتهمت كل المبانى المجاورة.. حتى الطريق يبدو بلا نهاية.. اقتحمت أسوار المدرسة وأنا أصرخ فى لهفة.. أين إبنتى.. أين إبنتى.. ظللت أجول بعينى فى كل إتجاه حتى رأيت خمسة وجوه لنساء يبكين فى لوعة.. إحداهن تصرخ بلا صوت ترسم أشكالا مبهمة، تصدر صوتا يشبه صفير القطار يفزع القلوب.. تسير بلا هدف.. وهى تقول القطار قادم.. قادم.. وهاهو ابنى يهبط منه بل يصعد لا بل يهبط.. باقى النسوة والمدرسات كنّ ينظرن إليها فى شفقة لا تخلو من رعب.

نظرت إليها وأنا لا أراها.. تركتها وتركت كل شئ ومضيت، وأنا لا أدرى إلى أين.. لكنى فى الحقيقة كنت أعلم أين سأذهب.

ظللت أسير إلى أن سمعت أجراسا تدق بلا إنقطاع وصفير قادم من بعيد.. كان القطار يعلن عن مقدمه بلا نفاق.. يزأر كأسد يعود إلى عرينه.. سرت حتى توقفت أمام القطار وسألت نفسى هل أسلم ذلك القطار إبنتى إلى الموت؟.. ذهبت أتفحصه من أمام ومن خلف، أخذت أفكر كيف استخرج منه ما أريد.. هل أخذ أبنتى وأسلمها للموت أم لا؟.. هل هو نفس القطار.. أم لعله أخيه؟.. هل يكون أحد أقاربه؟ أخذت أفكر هل أخذها ذلك القاتل.. من يدها الحانية.. من قدميها أو من رأسها الجميل.. إستجمعت شجاعتى وسألته فى رفق.. لم يرد بالطبع.. سوف ينكر ذنبه بالتأكيد.. صرخت وصرخت.. وأخذت أهزه وأهزه.. هل أسلمتها للموت بلا حوار أو حتى تفاوض.. ولم يعرنى أى التفات ذلك المجرم.. تهاويت وأنا أبكى وتجمع المارة من حولى.. ساعدونى حتى نهضت.. مسحت دموعى.. وسرت وأنا أنظر إليه فى حقد بالغ.. سوف آتى غدا بل وكل يوم.. حتى تخبرني ما فعلت.. كيف خدعت تلك النفس البريئة.. كيف أسلمتها للردى.. كيف.. كيف.. 

أصبح ذلك المكان بيتى الذى لم أكن أتمناه.. يسكنه شبح وحيد صغير لا أريد أن أراه.. ظللت أذهب.. وأذهب حتى ملنى الناس.. دعونى بالمجنونة.. وألفاظ أخرى لا أذكرها.. حتى جاء ذلك اليوم وقد جئت أرتوى من حديث ذلك القطار القاتل.. لم أجده.. سألت فى لهفة وخوف.. أين ذهب؟.. قالوا لقد احترق.. لا أدرى هل حزنت أم ابتهجت.. هل نال جزاءه أخيرا.. لكنى فقدت الأمل الذى كنت أحيا من أجله.. إذ كنت أراها كل يوم تتقدم ببراءه.. تنظر إلى فى حزن، تسلم يديها إلى ذلك القطار تودعنى ثم تذهب.. فقدت كل هذا فى لحظات.. ولم أدر أين أذهب هذه المرة.

سرت فى جميع الطرق.. سألت كل القطارات.. لم يرها أحد.. ولم يرد أن أن يرانى أحد.. حتى برق لى أمل باهت.. تذكرت أنى فى يوم من الأيام وأنا أسير على غير هدى ترنحت من التعب.. ثم تلقفتنى إمرأة مسنه.. أجلستنى معها على قارعة الطريق.. حيث تركت للسانى العنان حتى قبل أن تسألنى ما بك.. و.. رأيت دموعا تولد فى مقلتيها تحبو ثم تتساقط فى صمت. أردت أن أراها مرة أخرى.. بحثت عنها حتى وجدتنى هى.. نظرت إلى طويلا.. أخذتنى إلى حارات وأزقة نسيها الزمن وكأن من يسكنها ليسوا بشرا.. سرنا حتى إنتهينا إلى بيت قديم تطل الظلمة من نوافذه العتيقه.. حتى أن الباب إنحنى كشيخ عجوز وكأنه لا يريد أن يرى قادم الأيام.. رأيتها وهى تطرق بابا صغيرا ليس له لون انفتح ببطء وكأن هنالك من يحركه ولا أحد.. كانت حجرة عتيقة قذرة غادرتها السكينة غير آسفة.. لها جدران مظلمة وكل مابها يشى بالقبح.. رأيته.. كان يجلس القرفصاء كثعبان ينتظر من يهديه سما ناقعا ولايطلب أى مقابل. نظر إلى، أشار أن إقتربى.. إرتعدت.. فكرت فى الهرب من ذلك القبر وساكنه.. لكنى ألقيت مخاوفى بعيدا وتقدمت نحوه.. قال أعلم ما تريدين.. لكن هناك ثمنا عليك أن تدفعيه.. لم أستطع إخفاء ما أريد، استبقنى بالقول.. لا أستطيع أن أعيدها للحياه من أجلك.. وقبل أن أرد قال: كل ما أقدر أن أفعله هو أنى أجعلك تنظرين إليها من حين لآخر.. قلت أريد المزيد.. قال مرة كل شهر.. تهلل وجهى بطمع لا ينتهى.. مرة كل يوم.. أشرقت روحى بنهم لا ُيَردْ.. نظر إلى بخبث.. بل كل وقت.. أشرت إليه بالإيجاب.. قال هناك أمر واحد عليك أن تعرفيه إذا جاءت فلن ترحل أبدا.. لم أسمع ما قاله.. ولم أصدقه أيضا.. مجرد مشعوذ مخرف.. لكنى فى النهاية أعطيته ذراعى كما طلب.. أخرج قلما من عظم أسود به نقوش زرقاء ووعاء صغير به سائل لزج مابين الأحمر والأزرق.. غمس القلم فى الوعاء ونظر إلى وكأنه يتساءل.. وأغلقت عيناى.. قلت.. هيا.. دعها تأتى.. 

كان صرير القلم على ذراعى كفحيح الأفاعى.. أحسست بمن يقتحم جدران روحى بلا إستئذان.. رأيت وجوها لا شكل لها.. سمعت صرخات وأنين.. ثم أغلق الكون أبوابه من دونى ولفظنى تائهة حيرى.. لم يوقظنى إلا لمسات تلك المرأة وهى تساعدنى على الوقوف ومغادرة ذلك الجحيم البارد.. انتظرت وانتظرت أياما طوالا وليال أطول.. ولم يأت من أريد.. أصبحت أضحك فى صمت ذليل.. كيف صدقت هذا الدجال.. كيف أسلمت له ذراعى يرسم عليه مايريد من رموز وأباطيل لا تزول.. حتى جاءت تلك اللية الموعودة التى كان يتجول فيها السكون بلا شريك، وإذا بدقات خافتة على باب الغرفة التى أنام فيها.. من هذا الذى يدق بابى؟ لعله أحد الأوهام يتجول حرا طليقا.. ربما خطر بباله أن يسلينى فى وحدتى التى أصبحت بدورها وحيدة.. سمعت نفس الصوت يتكرر.. استجمعت شجاعتى ونهضت وفتحت الباب.. فإذا بها تقف أمامى بشعرها الأشقر.. وإبتسامتها العذبة.. بثياب المدرسة.. تمد يديها إلى فى وداعة.. أمى.. لقد جئت يا أمى.. ضمينى.. إحملينى.. أين الشوكولاته يا أمى.. أسرعت لأحضر تلك الحلوى البنية.. قدمتها إليها وأنا أخشى أن أضمها أو أحملها أو حتى ألمسها.. مرت الشوكولاتة خلال يدها الشبحية وسقطت على الأرض.. نظرت إلى فى توسل.. أريد الشوكولاته يا أمى.. لم أستطع أن أتحمل ذلك العذاب.. أسرعت إليها.. ألقيت خوفى.. ضممتها.. لكنى لم أجد إلا دخانا يذوب.. صرخت.. لا تتركينى.. لاتتركينى.. لكنى لم أسمع إلا رنات الصدى.. لم إستطع النوم.. أنتظر الدقات على الباب التى أصبحت تقتلنى وتحيينى، انتظرت حتى جاءت.. ثم ذهبت.. وجاءت.. وذهبت.. أيقنت ساعتها أنى قد سقطت فى فخ رهيب لا ينتهى.. تحولت طفلتى إلى معذبتى.. وأصبحت تزورنى فى كل وقت.. وأنا لم أعد أنا.. أصبحت تلك المجنونة التى تصرخ فى كل وقت.. تفتح الأبواب والنوافذ.. تغلقها ثم تفتحها وتغلقها.. تنادى طفلتها التى لا تريد أن ترحل.. حتى زارنى ضيفا جديدا كان اسمه اليأس.. اصطحب معه آخر أسماه الندم.. لم يعد لى مكان أذهب إليه بعيدا عن ذلك الشبح الصغير.. لم أعد أدرى هل أحبها وأشتاق إلى رؤياها أم أكرهها وأتمنى أن ترحل بلا عودة.. لكنى كنت أسيرة الصمت الذى كان يدعوها إلى تعذيبى.. كانت الأبواب من حولى تتراقص وتهتز تحت دقات كفيها والطريق يدعونى إلى المسير.. تهاويت.. ووجهى يسقط بين كفى، حتى تهادى صوتها إلى سمعى من جديد وهى تقول.. أمى.. أين الشوكولاته يا أمى.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.