الوحش

الوحش

د. محمد جابر لطفى

اللوحة: الفنان البولندي جيزلاف بيكشينسكي

أخيرا استسلمت نفسى واستكانت بعد جدل طويل وصراع عنيف، تحسست ظهر الكرسى العتيق وغالبت شعورى بالقلق، أغمضت عيناى وودعت ماتبقى لى من آمال وتركت الكرسى الخشبى يبتلع ما تبقى من جسدى المتهالك أحسست وكأن القطع الخشبيىة تهتز وتأبى أن تضيفنى فى ذلك المكان الرهيب.

تجولت ببصرى فى المكان فلم أجد إلا ذلك الكرسى الكبير الخالى أمامى يقبع خلف مكتب عتيق الطراز، كان مجرد كرسى خشبى آخر ولكنه كان وكأنه يمت بصلة قربى إلى الكرسى الذى تهاويت عليه منذ لحظات، لكنه كان يبدو وكأنه أكبر وأقوى، كان يشبه كرسى قاض يحكم بالموت على من يجلس أمامه.. مجرد حركة يسيطة من السبابة الى زر رمادى عتيق ثم..!

عرفت ذلك الكرسى الكبير منذ سنوات عدة وعرفنى حتى أنى كنت أشتاق اليه.. أصحو من نومى وأعدو حتى أقتحم تلك الغرفة الكالحة وبلا مقدمات أترك نفسي تسعى إلى ذلك المكان الحبيب الى قلبى. كنت أحس بأنه يهتز طربا عند دخولى المكان، ويمد أيادى غير منظورة تتعلق بكل جزء منى حتى تسلمنى إلى تلك الكومة القديمة من الأخشاب الجائعة.

كان عملى روتينيا كئيبا مجرد صبى صغير لا يتجاوز العاشرة يعمل على نظافة حجرة قديمة، تقع أسفل منزل عتيق بها الكثير من الاوراق المحنطة مدفونة داخل أغلفة زرقاء وسوداء وبنية وأخرى ليس لها لون، ثم تسارعت الأيام ووجدتنى أكبر لأصبح شابا يافعا يخفق قلبه بالأمنيات، لكنها كانت سجينة فى تلك الغرفة وليس لها لسان يفصح عنها، كان كل شئ يتغير خارج الغرفة لكنها ظلت على وعدها القديم عذراء لا ينتهكها أحد غيرى. قرأت كل الأوراق مرات ومرات حتى أصبحت تسكن داخل جسدى وعقلى، كانت تحوى أرقاما وتواريخ وأماكن عديدة وأسماء قديمة.

لم يدرك أحد ذلك الكنز الدفين في عقلى إلا محامى كهل كانت تخيفنى نظراته الباهته، والتى كانت لاتخبر أحدا عن مصائد الموت داخلها، لكنى كنت أراها وأتسلى بعدها عندما أبادله النظرات، وكان يعلم ذلك أيضا، كان يتودد إلى كلما رآنى وكنت أعدو داخل نفسي طلبا لحماية من ليس يقدر على ذلك، بعد جدال صامت طويل نجح ذلك العجوز الداهية فى إخراجى من جنتى البالية، وإصطحبنى والكنوز المدفونة فى تلافيف عقلى إلى ذلك البيت البغيض الذى كان يقبع وحيدا بأطراف المدينة، والذى كان يطل على مساحات ليس لها لون صبغتها طبقات متتالية من الأتربة التى تراكمت منذ عهود.

لم يكن بحاجة إلى ان يطرق باب الدار إذ لم يكن فى جوف هذا الوحش الباهت أحدا يسكنه. إجتاز الباب الكبير وأمرنى بأن أتبعه، لم أعترض إذ لم أجد فارقا كبيرا بين القبو الذى كنت أحيا فيه وذلك القبر الكبير.

تركنى أفكر فى اللاشئ، ثم عاد بعد فترة وجيزة ليخبرنى أن هناك عقدا مكتوبا بينى وبينه من قديم ولا ينقصه إلا التوقيع. لم أهتم بتفاصيل ما قرأته من أوراق قدمها لى على أنها العقد المزعوم. كل ماكان يطغى على ذهنى أنى قد وجدت ما كنت أبحث عنه طوال حياتى وكان يعلم ذلك.

إختفى العجوز ثم ظهر وكأنه نبت من العدم، وأخبرنى أن ذلك المكان يبحث عنى كى يحيا والغريب أنى قد صدقته، أفهمنى أن كل ما على عمله أن أخبره بكل مايريد أن يعرفه عن بيوت ومساكن فى أنحاء متفرقة من المدينة، كى يسهل عليه عرضها للبيع أو الشراء وفعلت ماطلب منى.

لاحظت أنه يسأل عن أماكن قديمة نسيها الناس، وربما مات مالكوها بغير وريث.. لكن عقلى قد توقف عن السؤال، لماذا وكيف وكل تلك الأسئلة التى لاطائل من وراءها. ومرت أيام ثيرة حضر بعدها ذلك الرجل ليقول أنه سوف يعلمنى كيف أقابل من يريد أن يبيع أو يشترى تلك الدور، إذ أنى أخبر الناس بتفاصيلها ولم أُبد اعتراضا يذكر.

دلنى على حجرة مغلقة لها باب غريب وعليه رسوم وأشكال لا أعرف لها معنى؛ رؤوس منحوته وكأنها تصرخ فى وادى من عدم، كان كل أثاث الحجرة كرسيان ومكتب، كرسيى كبير وراء المكتب وآخر أصغر منه فى مواجهته، ولاحظت أن تلك الغرفة ليس لها شباك.

كان كل عملى ينحصر فى شيئين فقط: إخبار من يريد أن يسأل عن العقار، ثم أن أجعله يوقع على الأوراق المطلوبة والتى كان يجهزها العجوز.. لكن تلك كانت مجرد البداية.

حتى جاء اليوم الموعود كى أقابل عميلى الأول، إستيقظت لأجد المحامى واقفا بجوارى يقول هيا.. كى أخبرك كيف تنهى المقابلة وإصطحبنى الى الحجرة ذات المكتب وأرانى زرا قديما أسفل الأدراج وقال كل ما عليك فعله أن تضغط على ذلك الزر، وليس لك أن تسأل أكثر من ذلك.

كانت المقابلة عادية حضر إلى رجل عجوز يبيع بيتا قديما، ووقع على الاوراق بعد أن سألنى عن ذلك البيت، وأخيرا ضغطت على الزر ويالدهشتى إختفى الرجل العجوز فجأة، وبلا مقدمات، كانت صدمة كبيرة وسرعان ما أدركت ان الكرسى الصغير أمامى أصبح بلا قاع، وكل ما سمعته هو صرخات باهتة، بعيدة ثم عاد الكرسى إلى ماكان عليه بريئا سليم النية وكأننى ألقيت حجرا قى ماء إهتز سطحه قليلا ثم ساد السكون. أسرعت الى المحامى لكى أسأله لكني لم أجده. حاولت الوصول الى أسفل الحجرة لأنقذ ذلك الرجل المسكين ولكنى لم أجد أى مدخل.

تركنى المحامى ثلاثة أيام مرت وكأنها عهود، جاء بعدها ليقول لى أنى قد أصبحت شريكا فى الجريمة وأنى قد قتلت ذلك العجوز، وأخيرا أرانى العقد الذى قد وقعته سابقا وكان يشمل اعتراف تفصيلي لما حدث وأُسقط فى يدى.

أيقنت بعدها أنى قد وقعت فى فخ رهيب. لم أدر ما أفعله، لكنه إرتدى ابتسامه صغيرة على وجهة المتغضن ليقول غداً سيأتى عميلا آخر.. تهانى.

قضيت الليل كله أفكر، هل أهرب؟ هل أبلغ الشرطة؟ أم لعلى أقتل ذلك العجوز؟ أصبحت وأنا لا أعى ما أمامى حتى جاء ذلك الشيطان مرة أخرى، وجدتنى أصعد إلى الغرفة لأنتظر الضحية الجديدة. ضحك وشد على يدى مهنئا وغاب.

توالت الأيام وأصبحت لا أنام.. أريد أن أعرف هل مات من ألقيت به إلى أسفل أم لازال حيا، لكن مع توالي الأيام والليالى اعتدت على أصوات كانت تدق مسامعى.. كانت أصوات إستغاثات وزئير رهيب يقتحم المكان، أخذت أرسم صورا لما يحدث أسفل حجرة الإعدام تلك، كانت الأصوات تنم عن أن هناك وحشا يلتهم من يسقط. أخذت أفكر هل هو ذئب.. نمر.. أسد.. لا أدرى. ثم توقف عقلى عن التفكير وبالتدريج لم تعد الأصوات تطرق أذناى، كان يقابلنى المحامى كل صباح وهو سعيد نشوان وكنت أراه ينظر إلى فى فرح وإبتهاج.. يشد على كتفى وكأنه يباركنى على ما إرتكبته يداى.

كنت أرقب نفسى فى مرآة أكلها الصدأ وأرتعد، لم أعد ذلك الضعيف الواهن باهت اللون الذى كان يقيم فى مكان ضائع. تجولت الحمرة فى وجهى ونما شعر رأسى وشاربى وذقنى بغزارة، حتى أظافرى طالت لكنى كنت كسير الفؤاد.

كانت تنشب بينى وبين ذاتى حروبا ومعارك لاتنتهى، كنت أنصب جدران المحكمة وأجعل من نفسى القاضى والجلاد، لكنى كنت أصعد إلى ذات الغرفة كل يوم وأتجه إلى نفس الكرسى الكبير وأترك نفسى تتهالك عليه، بل وأصبح لدى شوقا عجيبا فى الضغط على الزر القديم. حتى جاء اليوم الذى انتصر فيه القاضى ليصدر حكما لا رجعة فيه، سوف أجلس على الكرسى الصغير الذى ينفتح على الهاوية، ولسوف أضغط بقوة على الزر الملعون حتى أنتقم من ذاتى لكل تلك الضحايا، وأترك الوحش المجهول ينتزع منى ما يشاء، وقد فعلت.

لم أحاول أن أتشبث بالكرسى بل تركت نفسى تسقط فى الفراغو وبعد لحظات إرتطمت بالأرض، وأحسست بآلام رهيبة فى ساقى التى ربما تكون قد كسرت، تحاملت على نفسى وصرخت حتى أجتذب الوحش إلى، وإنتظرت كى تناديه الدماء التى تسيل من جروحى أن يأتى إلي ويشبع جوعه وغضبه.. وإنتظرت.. ولم يأت الوحش.. مرت الدقائق والساعات طويلة مؤلمة.. حتى بزغت لى فى النهاية شمس الحقيقة الرهيبة.. أن الوحش يسكن داخلى.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.