الحنين إلى الذكريات

الحنين إلى الذكريات

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان العراقي كفاح آل شبيب

تعرفت على زوجتي في بداية التحاقي بالعمل، كانت رقيقة المشاعر جميلة المظهر، لم يستغرق الإعجاب بيننا مدة طويلة فوجدتني أتقدم سريعاً لخطبتها، كنت حينها في بداية مشواري وكانت ظروفي المادية صعبة.. رفضني والدها والتمست له العذر إذ كان أمامي مشوار طويل لأتمكن من توفير تكاليف الزواج.. فقد كان والدي موظفا بسيطا، كما أن راتبي كان متواضعا.. ولكن أمام إصرارها على الارتباط بي وافق والدها على “الخطوبة” على أمل تحسن وضعي.. وبالفعل أكرمني الله بعمل أفضل في شركة أجنبية براتب كبير ساعدني على إتمام الزواج خلال عام واحد فقط. 

كانت سعادتي لا توصف بالعش الهادئ الجميل، ولكن لم تمر إلا شهور قليلة حتى اكتشفت أن بزوجتي عددا من الصفات التي يبدو أن إعجابي بها أعماني عن رؤيتها في فترة الخطوبة.. كانت ردود أفعالها عنيفة ولا تمتص غضبي وتجاريني في ثورتي مما يزيد من استفزازي، كما أنها ترفض أن أمد يدي بالخير والمساعدة لأسرتي، وطالما نشبت بيننا المشكلات بسبب ذلك، في الوقت الذي تغدق فيه بسخاء – من مالي الخاص- على أسرتها، تحملت وارتضيت حفاظا على استقرار البيت من أجل أبنائي، ولكنها كانت تصر على تعميق هوة الخلاف بانعزالها وصمتها دون أن تنطق بكلمة اعتذار، فأبادر بمصالحتها لنزع فتيل الكآبة من المنزل، الذي للأسف نادرا ما يشع بهجة لطبيعة شخصيتها التي دوما تفتخر بأنها “وقورة”، وكنت أتأثر جدا بما يرويه لي أصدقائي عن المعاملة الدافئة من زوجاتهم منذ لحظة دخولهم بيوتهم.. 

كنت أجلس ليالٍ طويلة وحيدا لأنها تصر على النوم مبكرا، غير عابئة بسهرى وحيدا، حيث أعشق الساعات الأولى من الليل، وأعتبرها ساعات الجمال والهدوء التى لا يمكن أن أضيعها، وهكذا فضلت الصمت والإنزواء وحيدا بعد أن أدركت عدم جدوى نصحها؛ قفد تحدثت معها كثيرا عن عيوبها محاولا إصلاحها، وهمست لها راجيا بأن نحاول الاستمتاع ولو لليلة واحدة في الأسبوع بدفء المشاعر والأحاسيس لكنها لم تكترث بكلامي، وبدلاً من ذلك كانت تصرخ فى وجهى بأني أيضا لا أخلو من العيوب، وأن علىَّ أن أصلح عيوبى أولا قبل أن أنصحها، وإن لم تذكر لى مرة واحدة عيباً من تلك العيوب.

 وكانت الطامة الكبرى أن تبلدت مشاعرها بعد عدة أعوام من الزواج على نحو مزعج، فقد كانت تسوق الأعذار للهروب من العلاقة الزوجية ما جعلني أطالبها بالذهاب للطبيب للعلاج مما هي فيه من “برود”، وبدلاً من مساعدتى فى علاجها، إذا بها تتهمني بأني مراهق ومهووس بالجنس، فسألتها إن كانت حقوقي الشرعية جنون وهوس.. فردت بطلب الانفصال، فحاولت أن أقنعها بخطورة قرارها وتأثيره على أبنائنا، لكنها هددتني بالخُلع، فخشيت على سمعتي في عملي وبين أهلي وجيراني، رغم ثقتى فى أنها لا يمكن أن تنال هذا الحكم من القضاء، كذلك فقد أشفقت على أولادي من الوقوع فريسة لجحيم التفكك الأسري، فاشترطت عليها أن تترك لي الأولاد مقابل الطلاق، فإذا بها توافق بدون تفكير مما أصابنى بدهشة وصلت إلى حد الذهول.

وفي أول ليلة بعد رحيل زوجتي السابقة جلست مع أولادي الثلاثة، وتحدثت معهم بمنتهى الصدق، وحاولت أن أشرح لهم الموضوع دون تعقيد وقلت لهم أن والدتهم اختارت أن تعيش بمفردها، لكن في نفس الوقت لم أفكر لحظة في تشويه صورتها أمام أولادها على رغم أنها استبدلت مكان قلبها حجر صوان، وفضلت أن تنعم بالهدوء وحياة الانطلاق وتنصلت من مسئولياتها التي كانت تقيد حريتها كما كانت تدعى.

مرت ليالٍ صعبة وأنا افكر في حل لهذه الأزمة التي غيرت حياتي، تركت والدتي قريتها وجاءت لتقيم معي لتخفف عني ثقل المسئولية وتعينيني على تربية أبنائي الثلاثة، لكنها لم تتحمل أكثر من أربعة شهور فقد تدهورت صحتها نتيجة كبر سنها، فأشفقت عليها وأصررت أن تعود لمنزلها.

وفي الطريق إلى قريتنا قالت لي أمي بأن الحل الوحيد أن تبحث لي عن زوجة، فطالبتها بأن تتمهل حتى تلتئم جراحي، ووعدتها بالتفكير فى الأمر فى الوقت المناسب.

مر عام بصعوبة وأنا أحمل مسئولية عملي ومتابعة أبنائي ما أصابني بإرهاق شديد، وفي إحدى زياراتي لأمي شكوت لها تعبي، فكانت فرصتها لطرح موضوع الزواج، فباغتتني بسؤال أربكني: “هل تتذكر فاطمة ابنة جارنا الحاج محمود ؟”، فتلعثمت وأنا أرد بصعوبة: “نعم.. هل مازالت في الكويت مع زوجها؟”، فردت سريعا: “لقد عادت منذ عام بعد وفاة زوجها في حادث وترك لها طفلتين؟”. 

 فجر حديث أمي بقلبي الحنين إلى ذكريات تمتد إلى أكثر من عشرين عاما، فقد كانت فاطمة هي حب المراهقة الذي كتبت من أجله أجمل الأشعار، وعندما أصر والدها على زواجها من مهندس ميسور الحال فكرت حينها في الانتحار، ورحلت فاطمة التي كانت تبادلني أجمل وأرق المشاعر والأحاسيس إلى خارج مصر لتقيم مع زوجها، وعشت بعد رحيلها أعواماً صعبة، لم أنس خلالها دموعها ولا كلماتها الرقيقة في لحظة الوداع وتأكيدها بأنها ستظل تحبني إلى الأبد.. 

ثم تركت قريتي ورحلت إلى أضواء المدينة من أجل العمل، وأخذتني دوامة الحياة لكن قلبي لم ينس فاطمة وظل حبها كامنا في ثناياه، لكن ما إن بدأت مرحلة جديدة بحياتي حتى أصبحت مخلصا لزوجتي التي أحببت فيها كثيراً من الخصال الطيبة التي سرعان ما تبددت وسقط قناع البراءة. 

عادت أمي لجذب أطراف الحديث فقالت لي: لماذا لا تتزوج من فاطمة ؟.. حاولت ألا أُشعر أمي باهتمامي بالرغم من أن سعادة كبير اخترقت قلبي بمجرد استرجاع ذكريات الحب الأول بحياتي، فقلت لها: “ربما تكرس حياتها لتربية ابنتيها ولا تريد الزواج”، فردت سريعا: “سأزورها قريبا لأعرف ظروفها، وسوف أخبرك بتفاصيل الزيارة”.. تظاهرت بالتركيز فى متابعة التليفزيون ولم أرد.

عدت إلى عملي ومر أسبوع ولم تخبرني أمي خلال اتصالاتي بها بتفاصيل زيارتها لفاطمة، فشعرت أنها تلقت ردا صادما لم تخبرنى به خشية أن أصاب بخيبة أمل جديدة، لكن في زيارتي الأسبوعية لها أخبرتني بأنني سأرافقها لزيارة أهل فاطمة الأسبوع المقبل، فسألتها دون تفكير: هل وافقت؟.. فقالت إنها زيارة للتقارب بين العائلتين، وبالفعل تمت الزيارة في موعدها، وكنت سعيدا بحديثي مع فاطمة التي على رغم أنها ذبلت كثيرا لما مرت به من ظروف صعبة بحياتها، لكنها مازالت رقيقة مثل النسمة.. هادئة.. ناعمة، وقبل أن أنصرف وعدتني بزيارتي فى مكتبي لرغبتها فى إطلاعى على بعض الأوراق المتعلقة بقضية ميراث ابنتيها.

انتظرت تلك الزيارة على أحر من الجمر، ومر أسبوعان ولم تنفذ وعدها، ثم تلقيت منها اتصالا هاتفيا اعتذرت فيه عن عدم الحضور لتشدد والدتها في خروجها من المنزل حفاظا على سمعتها.. 

تفهمت ظروفها ووعدتها ألا اتسبب في أي إحراج لها أمام أسرتها، لكني لم أقاوم رغبتي في أن أسمع صوتها فصرت اتصل بها يوميا، وصرنا نمضي ليالٍ في حديث يمتد حتى الصباح، طالبتها بأن تفكر في إمكانية أن نتزوج، وشرحت لها كل ظروفي، فوعدتني بالتفكير وعرض الموضوع على والدتها، وأكدت أنها لم تنس يوما ما كان يختلج بقلبينا من حب ومشاعر جميلة. 

في غمرة نشوتي بعودة حبي القديم وحلمي بأن أبدأ حياة جديدة تلقيت اتصالا من زوجتي السابقة، كانت تبكي بشدة وتبدي ندمها على ما حدث منها، ووعدتنى أنى لو وافقت على العودة إليها فإنها ستطوي صفحة الماضي وستكون إنسانة جديدة، وظلت تبكي وهي تقول إن فترة الابتعاد عن أولادها كانت قاسية عليها، وأنها تعملت الكثير مما جعلها تتمنى تكريس حياتها لرعايتهم زوجها وأولادها.. وزلزل كلامها كياني، وتعجبت من توقيت اتصال والدة ابنائي التي أصبحت لي ماضيا بعدما مزقت صفحتها من كتاب أيامي مع عودة فاطمة لدخول حياتي من جديد.. 

عدت إلى المنزل فوجدت أبنائي في قمة البهجة بعدما زارتهم والدتهم على الرغم من أنها لم تستأذننى، ولمحت السعادة تتراقص في عيونهم البريئة، فأخبرتهم بتفاصيل اتصال والدتهم بي، فكان رأيهم قاطعا وبدون تردد أنهم يتمنون عودتها، ولم يغمض جفني طوال الليل، تساءلت: هل أسامحها من أجل الأولاد الذين لا ذنب لهم في حماقة سيدة غلبها الغرور والأنانية؟.. هل بالفعل هي نادمة وسوف تتغير، أم أنها سرعان ما تعود لسيرتها القديمة؟.. ووسط انغماسي في التفكير رن جرس هاتفي، وكان الاتصال من فاطمة لكني لم أرد، ولم أجد مبررا لموقفي سوى أني في حيرة شديدة، وتعجبت كيف كنت انتظر كلمة من الحبيبة الأولى بينما أتجاهل اتصالها الآن؟.

في اليوم التالي اتصلت بفاطمة واعتذرت لها عن عدم الرد، وبررت موقفي بأني نمت مبكرا لشعوري بالإرهاق، وشعرت بحاستها الأنثوية بتغير في نبرة صوتي، فحاولت ألا تلمس حالتي النفسية المضطربة فاختلقت تفاصيل جديدة لإمكانية حل مشكلة ابنتيها مع أعمامها ووعدتها بأنني سأجد حلا سريعا لها.. لكنها قالت إنها ستأتي لزيارتي خلال أيام للحديث بشأن عرض الزواج بعد موافقة والدتها.. 

كانت الفرحة المكتومة في قلوب ابنائي كافية أن تجعلني أعيد تفكيري في الارتباط بفاطمة.. ثم حسمت موقفي بالابتعاد عن حبي الأول بعدما عدت متأخرا من عملي فدخلت لأطمئن على أبنائي فوجدت أصغرهم مستغرقا في نومه وبجواره صورة والدته.. هنا تساقطت دموعي وهزمني حبي لفلذات كبدي وقررت أن أعيد والدتهم إلى أحضانهم.. كان ضميري يؤنبني نحو فاطمة التي حلمت مثلي باستعادة حبها الأول.. واحترت كثيرا كيف سأخبرها بما طرأ بحياتي.

عجز لساني خلال اتصالاتنا المتواصلة بأن يصدمها.. حتى حددت موعدا لزيارتي في مقر عملي.. عزمت أن أكون صريحا معها.. شرحت لها رغبتي بألا يحرم أولادي من والدتهم، لكن في الوقت ذاته لا أريد أن أخسرها وأنه يمكن أن نتزوج وتكون لنا حياتنا الخاصة، ووعدتها بأن أبذل كل جهدي لإسعادها.. لمحت الحزن في عينيها لكنها احتفظت بتماسكها ووعدتني بالرد خلال أيام، وانصرفت بهدوء، بينما انتظرت أنا ردها لكن طال انتظاري حتى فوجئت في صبيحة أحد الأيام بباقة ورد من البنفسج الذي أعشقه وبها ورقة مطوية مكتوب بها: “كل أمنياتي وأرق تمنياتي لك بحياة سعيدة”.

كانت كلمات فاطمة الرقيقة ردا قاطعا على رفضها الزواج مني، لملمت جراحي وجففت دموعي، ونهضت سريعا من كبوة أحزاني، وفي المساء كان موعد عقد قراني على أم ابنائي.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.