الدَّرَج الرخامي

الدَّرَج الرخامي

وليد الزهيري

اللوحة: الفنان السعودي فهد خليف

(1)

ـ ألو؟

ـ تعالى بسرعة ماما تعبانة، أخوك في الطريق.

ارتديتُ ملابسي على عجل، مشتت الذهن، أرى خيالاتها تعدو أمامي مسرعة، وهي تدللني طفلًا تارة.. وتقسو عليَّ مراهقًا تارة أخرى.. لحظات الحزن بعد فراق الأب.. وزغاريد الفرح بعد التخرج من الجامعة.. لم يكن بيني وبينها الكثير من العمر عندما أنجبتني.. أكبر أبنائها، فأنا لها الأخ قبل الابن.. وهي الأخت قبل الأم.

التهمتُ درجات السلم والطريق مسرعًا، دلفتُ من باب بيت العائلة المفتوح على مصراعيه، بحثتُ عن الاطمئنان في أعين أخي وأختي الأصغر المتلعثمة، تجاوزتهما نحو حجرتها، وأول ما لمحتُ منها وهي مستلقية على سريرها صعود وهبوط صدرها، لم تستشعر وجودي حتى قبَّلتُ جبينها، التفتتْ نحوي غير قادرة على فتح عينيها، خاطبتُها متماسكًا:

ـ حجزت لك عند الدكتور، شوية تحاليل ونرجع.

اتسعتْ حدقة عينيها ناظرة في قاع عيني، رأيتُ منها نظرة الأخت لأخيها.. لا الأم لابنها، ملتُ على الأرض باحثًا عن نعليها، وضعتهما أمامها، حاولتُ إنزال قدميها.. لكنهما لم يستجيبا، لحق بي أخوَيّ، عاوناها حتى تمكنتْ من الوقوف، ثنتْ ركبتها للتقدم خطوة، لكن قدمها أصرت على خذلانها، حاولتْ وحاولنا.. دون جدوى، هرولتْ أختي بأعينها الدامعة، أحضرتْ مقعدًا من البلاستيك ذي مسندين يستوعب حجمها.

أجلسناها، ممسكًا بيد المقعد اليمنى وأخي باليسرى، تجاوزنا باب حجرتها، لا نسمع سوى ارتطامات ما تدفعه أختنا عن طريقنا، وطقطقات تصدر عن المقعد البلاستيكي بين لحظة وأخرى، قطعنا الصالة الرحبة ولم أرَ منها سوى بلاطها الأبيض والأسود المتتالي الباهت، تحلِّق فوقه قدماها المتدلِّيتان من المقعد دون حراك، تجاوزنا الباب البني المصقول العتيق، هبطنا بها ملامسين أولى درجات السلم بعدما تعالت أنَّات وتصدعات يدي المقعد البلاستيكي، توقفنا لالتقاط الأنفاس اللاهثة، هز أخي رأسه يمينًا ويسارًا، قائلًا بصوته المتقطع:

ـ إيد الكرسي البلاستيك اتكسرت، هشوف كرسي خشب.

مالت برأسها ناحيتي قائلة بصوت خفيض:

ـ كلم النجار يصلَّح إيد الكرسي.

(2)

ارتكنتُ بظهري إلى الحائط الرطب، أنظر إلى عمق الدرجات الرخامية الملساء ناصعة البياض، يطوقها سور حديدي مشغول بانحناءات انسيابية ودوائر صغيرة وكبيرة متربة، ربما مر أكثر من عشرين عامًا منذ آخر مرة برمتُ فيها أصبعي بدوائره واحدة تلو الأخرى وصولًا إلى بدايته، لاحقتُ بعيني انحناءاته.. مستذكرًا آخر مرة كانت أمي في زيارتي قبل شهر، حينما دق جرس هاتف بيتي:

ـ ألو؟

ـ أنا وماما في الطريق.. انتظرنا تحت.

حملتُ مقعدًا، نزلتُ به من طابقي الرابع، تركته بفناء البيت، خرجتُ لها منتظرًا، تلقفتها بابتسامة شوق مرحبًا، باديًا على وجهها الأبيض الدائري الشوق واللهفة، فتحتُ باب السيارة، ونقلتُ قدميها الممتلئتين خارجًا، تحسستْ موضعهما، تقلصتْ ملامحها وهي تحاول التعلق بأهداب الباب للنهوض بجسدها الممتلئ وأمراضها العدة، ملتُ عليها لجذبها، اتكأتْ واضعة يدها في يدي متمايلة في خطواتها حتى وصلنا إلى الفناء، نظرتْ إلى المقعد في شوق، جلستْ عليه ملتقطة أنفاسها الهاربة، تجاوزتنا أختي الكبرى صاعدة بحقيبة أمي مهرولة على الدرج، تابعتْ ارتقاء الحقيبة وهي جالسة بعينيها تنظر بقنوط لدرجات السُلم.

نهضتْ من مقعدها متلقفة أول خيط الدرج وهي تنظر إليه بتحدٍّ قائلة:

ـ يلا بينا.

حملتُ المقعد صاعدًا خلفها درجة تلو الأخرى، حتى انحنى بنا السُلم يمينًا لأعلى، تابعتْ هي في حماس حتى انتهت أمام إحدى درجاته المتسعة، التفتتْ نحوي وجبينها يتصبب عرقًا غير قادرة على النطق، لحقتها بالمقعد أسفل منها، استجمعتْ الأحرف في حلقها مداعبة:

ـ السلمة عالية، ومش قادرة أرفع رجلي أخطيها.

أجبتها باسمًا:

ـ والله عندك حق يا ماما.. كان لازم أختار السلم قبل الشقة.

نهضتْ غير مبالية بما قلت، متأملة درجة السلم التالية المرصعة بقطع من الرخام المتناثرة والمتنافرة ألوانه، مصمصت شفتيها ممتعضة وهي صعود:

ـ حتى الرخام من كل فيلم أغنية.

في استراحتنا التالية في منتصف الطريق، وضعتُ المقعد أسفل منها، قبضتْ على يدي وقالتْ متأففة:

ـ مش كنت تسكن في الأرضي أحسن؟

رددتُ عليها ساخرًا:

ـ كويس إني ساكن.

(3)

أفقتُ من هذياني على نقرات أخي على قاعدة المقعد الخشبي للتأكد من متانته، تحركنا ببطء لهبوط الدرج، شعرتْ بتأرجح خطواتنا فقالت بصوت متحشرج:

ـ أنا خايفة.

نظرتُ في قاع عينيها بيقين:

ـ ما تخافيش يا ماما.

تحسستُ وأخي أولى الدرجات الملساء، تابعنا بخطوات متتالية على هدي أختنا، وصلنا نهاية الصف الأول، أنزلنا المقعد بهدوء على إحدى درجاته المتسعة، متجنبين النظر لبعضنا البعض.

(4)

تذكرتُها مجددًا في زيارتها الأخيرة لي وهي قادرة على المشي، حينما نهضتْ مستمرة في الصعود، واستراحتْ، وصعدتْ، وقبل بلوغ باب شقتي، قالتْ في استراحتها الأخيرة وهي تنظر لموضع قدميها:

ـ غيبوبة السكر بتخوِّفني أقعد لوحدي.

تابعتْ وهي تلاحق قطع الرخام المتناثرة:

ـ وعيالي كلهم ساكنين في العالي.

ربتُّ على كتفها:

ـ أنت فراشة بترفرفي حوالينا.

تقدمتْ متكئة على حوائط الشقة حتى جلستْ أمام الهواء البارد، ارتمى طفليّ بأحضان جدتهما مرحبين مهللين، وقبل أن تستقر أنفاسها بصدرها، أخرجتْ علبة الدواء، وضعتْ حبة أسفل لسانها وبلعتْ ريقها، مدتْ يدها بقطعة شيكولاتة لحفيدتها:

ـ اتفضلي يا عيون (تيتة) بجوز الهند.

قبلتْ جدتها غائرة في حضنها بسنواتها الخمس وثغرها الباسم، وقبل أن يتململ المنتظر لهديته الأكبر من تلك التي نالتها أخته الصغرى، مدتْ يدها في حقيبتها مجددًا ووضعتها في يده:

ـ أنت بقى اشتري آيس كريم.

وأمسكتْ بطرفي إصبعها وجنته الملساء مداعبة:

ـ لو جبت لك آيس كريم معايا كان ساح على خدك من طلوع السلم.

قبض الحفيدين على يدي جدتهما، قائلين في صوت واحد:

ـ اقعدي معنا على طول يا (تيتة)، ونامي على سرير كل واحد فينا يوم.

رمقتْ زوجتي، وهي جالسة تشاهد فيلمًا قديمًا:

ـ يومين بس وأروح لعمكم.

نهضتْ أختي مودِّعة وعينها صوب الباب، لحقتُها أنا وزوجتي، تابعتْ أمي مرورنا أمامها، نظرتْ نحو الفراغ متممة:

ـ لازم ألف على ولاد ولادي.. مش بيستغنوا عن حب جدتهم.

(5)

جذبني أخي من يدي قائلًا:

ـ سرحت في إيه؟

أمسكتُ بالمقعد لأحمله معه:

ـ أبدًا.

عاودنا الكرة مرة أخرى، مالتْ برأسها نحو السور الحديدي للدرج مهمهمة:

ـ مش قولت لك يا ابني متلفش صوباعك في حديد الدرابزين علشان التراب؟

وصلنا إلي الشارع نحملها حتى باب السيارة، جلس أخي على مقعد السائق، فتح المقعد المجاور وجذبها إليه، رفعتُ قدمها اليسرى داخل السيارة، استلقتْ على مقعدها وهي تنظر أمامها نحو الشارع الممتد المعانق للسماء في الأفق، ابتسمتْ ابتسامة طفولية:

ـ يا حلاوة.. شايليني لحد باب العربية.

رفعتُ قدمها اليمنى ووضعتها بجوار يسراها داخل السيارة.. وأغلقت الباب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.