صور مؤجلة للفرجة

صور مؤجلة للفرجة

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان الأمريكـي جون سنغر سارجنت

بدت الدرجات الرخامية كالطريق الطويل وهي تهبط عليها، والصوت ما زال يتردد بداخلها: الوقت المناسب لم يحن بعد. 

هزت رأسها وقالت:

 ـ أوانه.

هو نفس الصوت رفيق حياتها، كانت تحمله أينما ذهبت، وأينما كانت، كان قويا وصاحب البقالة القريبة من المركز، يراقبها وهي تقرأ قائمة الطلبات.

دس البقال كل حاجاتها في كيس أسود رخيص، أخرجت بك الفلوس من صدرها وأعطته ثمن ما اشترت، وغادرته، وما هي إلا خطوات حتى عادت صائحة:

 ـ وحياة ولدك خمس علب سجاير.

وهي تغادره للمرة الثانية، سمعته يهمس لها:

 ـ جسمك ملبن. 

ارتعشت وغضت الطرف ومضت.

ولجت البوابة المفتوحة نصف فتحة، ومالت جهة اليمين، حيث مكتب الأمن، أراحت كل ما في يدها على الأرض، ومدتها إلى نفس البك، أخرجت تحقيق هويتها، أعطتها للجندي، ونطقت بالاسم، وضع عينيه على دفتره، وعندما رفعهما، كانت تغلق طوق العباءة، وتداريها تحت طرحتها، سألها:

 ـ زوجك؟

  آه.

وعاد ليكمل تدوينه أيقنت أن أمامها من الوقت ما يكفي لإلقاء نظرة إحصائية للصف الممتد فوق الدرجات الرخامية، عرفت أن دورها سيأتي بعد الرجل الواقف في نهايته.

في مكانها راحت تعيد سيناريو ما سوف يحدث، والذي يبدأ بتفتيش الموجودات التي معها من مشرب ومأكل: الفرخة سوف يتم تمزيقها، والخبز سوف تلمه مبقور البطون، حتى زجاجة الحاجة الساقعة سوف تجدها ناقصة ملء كوب شاي

صوت الجندي قطع عليها تأملاتها:

 ـ في الصف يا مدام.

 مالت لترفع الكيس، فسمعت صوت تمزق سروالها، فثبتت، واحتارت، لكنها انتصبت، واندفعت لتقف في آخر الصف، ومرة ثانية أرسلت عينيها، وبهما عدت الواقفين، واحد.. اثنان.. سبعة..

كلهم رجال وهي المرأة الوحيدة، همست لنفسها:

 ـ كلهم كوم وأنا كوم.

في المرة السابقة كانت تقف خلف امرأة عجوز، تم تفتيش ما بحوزتها بسرعة، وتم اقتيادها إلى طرقة جانبية، تسلمت الأيدي الكيس منها، أفرغته على منضدة كبيرة، عليها فتافيت من حاجيات من سبقوها، استراحة وجدها صاحب النجوم مناسبة لفرزها من رأسها حتى منتصف بطنها الملاصق لحافة المنضدة، لمح ضغط الحافة على العباءة السوداء، فعل أتاح لتقويرة السرة أن تظهر، ولرغبة كامنة أن تشب، هي لمحت، فتمنت أن ينتهي أمين الشرطة من عمله، لكنه، بعد أن أعاد كل شيء لمكانه، وقبل أن يطلب من العسكري الواقف بجواره اصطحابها، تدخل الضابط، أمسك بالكيس، وشرع في إخراج محتوياته قائلاً:

 ـ زيادة في الحرص، وتحسبا لدخول الممنوعات.

من تبادل النظرات قرأت تربع جسدها في عينيه، وعرفت طغيانه، معرفة تجدها في عيون الجيران، وصبية السيارات، حالة اعتادت معها خلق تسلية ما، حتى لا تضطر إلى المتهاوي في قبضة دموعها القريبة… الرجوع إلى ذكري ما.

لم تجد إلا كلمات حماتها العجوز:

 ـ السلام أمانة.

 ـ حاضر.

 ـ قولي له أيام وتنقضي.

أثناء ذلك، كانت تعرف أن الضابط، بخياله صحبها لغرفة بعيدة، نزع عنها كل هدومها، جعلها عريانة ملط… وهي تستعيد نفسها، كان الضابط يقول لها:

 ـ زوجك رحلناه للسجن العمومي. 

استدارت، وهي تهبط، على آخر درجة كانت دموعها تهطل.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.