وليد الزهيري
اللوحة: الفنان السوري ماجد سعدو
(1)
حضرتْ في صباح يوم جامعي، تخطو بثبات بكامل زينتها كعهدي بها، فهي من أجمل بنات (الدفعة).. أو هكذا أراها..
ـ صباح الخير.. فين (ياسر)؟
ـ مع (أمجد) و(آية) عند مدرج (ألف).
اتجهتْ مسرعة نحو المدرج، حيث (أمجد) على مقربة من المدرج مع رفاقه:
ـ شوفت ياسر؟
ـ بيحجز لنا.
دلفت داخل المدرج باحثة عني، أشرتُ إليها بالصعود، وأشارت إلي بالنزول، نثرتُ أدواتي على المقاعد مهرولًا نحوها، انتظرتني بالخارج متكأة على جدار المدرج، دنوتُ منها قائلًا:
ـ خير؟
زاغتْ عينيها محتضنة أجندتها:
ـ حبيتْ أتكلم معاك.
ـ عينيكِ بتلمع، اعترفي.
ـ أشرف زاهر..
ـ ماله؟
ـ إيه رأيَك فيه؟
ـ من أي زاوية؟
نظرتْ نحو أظافر قدمها بلونها الأحمر البراق المطلة من مقدمة حذائها الخريفي:
ـ طلب إيدي.
تقلصت ملامحي:
ـ بس.. بس خطوبتك الأولى انتهت من شهر.
ـ علشان كده لازم أتخطب بسرعة.
ـ ليه لازم؟
صمتتْ ورفعتْ رأسها:
ـ محتارة، ومحتاجة رأيك؟
وضعتُ يدي في جيبي ماطًّا شفتي ناظرًا إلى ما كانت تنظر إليه في الأرض، قبضت أظافر قدميها، خبأتها داخل حذاءها تاركة مساحة بحجم مرآة أظافرها، غُصتُ عبر تلك المساحة عائدًا إلى لقائنا الأول منذ سنة.
(2)
حيث كنت بذات الهيئة واقفًا على باب المدرج أكثر حيوية بين رفاقي، تملأنا البهجة في ملابسنا (الكاجول) بعد تمزيقنا (للزي المدرسي الموحد) منطلقين نحو آفاق عنفوان شبابنا، تعلو ضحكاتنا كلما روى (أمجد) إحدى نكاته الإباحية.
وقعت عيني عليها في تلك اللحظة عند قدومها، لم أستطع أن أغلق فمي، أقبلتْ بشعرها الكستنائي المتهدِّل فوق جبينها الأبيض يدنو من عينيها العسليتين، متطايرًا خلف كتفيها على وقع دبيب كعب حذائها، يمنحها ثقة بادية على نظراتها غير العابئة بمن حولها، مرتدية فستانًا (برميليًّا) لونه أخضر زيتوني من التريكو، ذا جناحين ملائكيين فضفاضًا، يشتد ضيقه أعلى الركبة، مخفيًا أسفله قوامًا مرمريًّا، تخبو وتظهر ثناياه بين خطوة وأخرى، تجاوزتنا نحو المدرج، تاركة خلفها عطرًا يسلب الألباب. أغلقت فمي سائلًا (أمجد):
ـ مين دي؟
ـ (أمل وجدي) صديقة (آية).
ـ هحضر معكم النهاردة.
ـ ليه؟ أنت حرف (الياء) وحضورك في مدرج (جيم)؟
دفعته أمامي متجاهلًا سؤاله، صعدت خلفه على مهل، متتبعًا ارتقائي نحو مجلسها بجوار (آية)، وجلسنا خلفهما، أخرجت من حقيبتها ألبوم صور، تدانت رأساهما تشاهدان الألبوم، وتتبادلان الهمسات والضحكات:
ـ صباح الخير (آية).
التفتتْ خلفها:
ـ أهلا أمجد.. مين.. ياسر!
لحقتها قبل أن تستفيض، مشيرًا بعيني نحو صديقتها:
ـ آه ياسر، معك قلم سلف؟
ادَّعتْ البحث في حقيبتها:
ـ لأ.. معاك يا (أمل)؟
ـ اتفضل.
أمسكت (آية) بالقلم وما زال على وجهها علامات الحيرة:
ـ اتفضل يا عم ياسر.
ـ شكرًا.
ـ الشكر مش ليَّ.. الشكر لآنسة (أمل).
ابتسمت محاولًا الإطالة:
ـ شكرًا آنسة أمل.
عقبتْ بإيماءة دون أن تلتفت خلفها، وتابعت الاثنتان المشاهدة، تلصصنا من خلفهما مداعبين ما أثار ضحكاتهما، أذابت (آية) المسافة الجليدية بيننا جميعًا بقولها:
ـ عندِك مانع نفرَّجهم على الألبوم؟
ترددت قليلًا، ثم قالت:
ـ طالما أصدقائك.. مفيش مانع.
وضعته أمامنا:
ـ اتفرجوا بهدوء.
انقضضنا عليه مقلِّبين صفحاته، تبلدت ملامحنا عندما شاهدنا صور حفل خطوبة، علق (أمجد):
ـ صور خطوبتها يا ياسر؟
ـ ممكن تكون أختها!!
ـ لأ.. صورها هي، البنات بتتشقلب في السوارية.
ـ تفتكر؟
ـ نرجَّع الألبوم ونقول مبروك ونشوف رد الفعل.
ـ مبروك.
لحقتنا (آية) بالإجابة:
ـ عجبتكم صور خطوبة أمل، اتخطبت لابن عمها في الصيف وسافر للخليج.
دخل الدكتور المدرج حاملًا حقيبته، اعتدل الطلبة في جلوسهم، وبقيت متبلدًا في موضعي، نقر ثلاث مرات بإصبعه على الميكرفون:
ـ صباح الخير، محاضرتنا اليوم عن (النسق الاجتماعي).
(3)
لم أتألم كثيرًا، كما أن خطبتها لم تثنني عن الحضور في مدرج (ألف)، هجرت مدرج (جيم) متحيِّنًا أي فرصة للتقرب إليها، ملازمًا لها حتى ولو من بعيد، حريصًا على أن يكون جلوسي خلفها بصف أو صفين بزاوية مائلة، تبقيها دومًا في مرمى بصري، توطدت علاقتنا أكثر فأكثر، وإذا ظفرت بمقعد بجوارها، أمسكت بالدنيا وما عليها، لم أسلم من تعليقات بعض الزملاء، وكلما وجه إلى أحدهم اللوم، مستفهمًا عن ماهية العلاقة، أستنكر سؤاله معللًا:
ـ أنت أهبل (أمل) مخطوبة.
أصبح خفقان قلبي مصاحبًا لجلوسها بجواري مع مرور الوقت، مستعذبًا عذابي قابضًا على مشاعري الأفلاطونية، كانت رؤيتها هي السلوى، صرت صديقها الأقرب، ولم تعد تخفي عليَّ أمرًا حتى في أدق تفاصيلها العاطفية. اطَّلَعَتْ على بعض خواطري حينما كنت بجوارها في محاضرة الأنثروبولوجيا، أمسكتُ بقلمي الرصاص أخطُّ كلمات تحمل بين ثناياها تلميحًا لا تصريحًا، جذبتْ الأجندة من بين يدي وقرأتْ:
“هي الدنيا كده بحالات
ساعات تدِّينا وتكفِّينا
وساعات تُخنقنا من سُكات
ولو الفرح في مرة زاد
نضحك بخوف من بكرة اللي جاي
لا بغدره يبكينا ويكسر الضحكة فينا
والآه تخلع قُلوبنا ونعيش زي الجماد
وفي العتمة نقف نصلي
يا رب احفظنا ف ثبات
ونرجع نشكر على الفرحة القليلة
حتى لو كان عمرها ساعات “
ـ الله.. أنت شاعر بقى وأنا مش واخدة بالي.
ـ لا شاعر ولا حاجة.. مجرد شخبطة.
ـ لما تكتب حاجة جديدة خليني أقرا شخبطتك.
وعادت لمتابعة المحاضرة، وبقيت منشغلًا، هل أصرِّح بما يعتريني عبر الخواطر.. أأعترف؟ كيف لي أن أفعل وهي مخطوبة؟ نفضت عني أفكاري الشيطانية مكتفيًا بدور الصديق. جاءت في عامنا الثاني معلنة انتهاء خطبتها على ابن عمها دون أسباب مفهومة، معللة ذلك بأمور عائلية، دبت الحياة في أوصالي تاركًا لها فترة نقاهة لتتجاوز أزمتها لأعلن سري الدفين، رافضًا دخول حياتها من باب الحب البديل.
(4)
نقرتْ بقدمها على الأرض، حيث أنظر:
ـ ياسر.. أنت سرحت؟
أخرجتُ يدي من جيبي، رفعتُ رأسي نحوها:
ـ أبدًا.. أشرف زاهر من عيلة ومبسوط، بس..
ـ بس إيه؟
ـ يعني مش عارفة؟
ـ قصدك علاقاته! كل الشباب كده وبعد الجواز بيتغيروا.
ـ تفتكري؟
ـ لازم اتخطب بسرعة، ومفيش حد اتقدم غيره.
شعرت بأنني أقف على حد السيف، لا يفصل بيني وبينها سوى تلك المسافة القصيرة الطويلة، متحيرًا في أمرها.. ألم تجد غيري تسأله عن (عريس الغفلة) الراغب في احتلال مكانة أنا جدير بها؟ تسارعت دقات قلبي على نحو مسموع.. أأخبرها! أم أستمر في صمتي؟! لاعنًا ما حييت إهداري لفرصتي الأخيرة، شقت الأحرف طريقها جاهدة للخروج بصوت غير مسموع:
ـ ممكن يكون في حد بيحبك أكتر منه.
توددت متوسلة:
ـ مين؟
رأيت البرهان في بنانها يستجديني، ملأتُ رئتي بالهواء مخرجًا تنهيــــــــــــدة طويلة.. طويلة.
ـ أنا.. أنا بحبك.
عادتْ بنظرها أسفل قدمها:
ـ كنت عارفة من زمان، وصلني إحساسك من خواطرك.
قاطعتُها:
ـ كنت مخطوبة.. وخفت أخسرك.
ـ بس.
ـ بس إيه؟
ـ أنت قدامك كتير.. وأنا مقدرش استنَّى.
ـ محدِّش هيقدر يسعدك زيِّي.
ـ السعادة إني أجيب اللي نفسي فيه.. مش كفاية حب الخواطر.
هرول الطلبة يسبقون الدكتور لداخل المدرج، وأنهتْ الأمر بجملة إجرائية:
ـ المحاضرة هتبدأ.
ـ اتفضلي أنت.
دلفتْ المدرج غير منتظرة إجابتي، ارتقت الدرجات نحو مقعدها، أمسك الدكتور بالباب:
ـ مش هتدخل؟
نظرت إلى اللوحة المكتوب عليها (مدرج ألف)، وهززت رأسي نافيًا:
ـ أنا آخر الحروف الأبجدية.
ابتسم مهوِّنًا.. وأغلق الباب.