نبيلة غنيم
اللوحة: الفنان الفرنسي هنري ماتيس
(1)
جاء الشتاء ذلك الفصل البارد الذى يذكرنى بالنقص الذي يحاوطنى يذكرنى بالأرقام التى تساقطت من صرة عمري، أشعر فيه بأننى “نملة” نَسِيَّتْ الاستعداد للبيات الشتوي، تخاف حُفر المياه الصغيرة التى كونتها الأمطار، تحاول الاحتماء بالأغصان اليابسة المتناثرة بفعل الرياح.. لاشيء ينقذها من ذلك الصقيع !!.
تحلم ببقعة شمس تضمها، فلا تجد غير أضواء كاذبة تومض وتختفي، تدعي أنها شمس دافئة، سرعان ما تكتشف الخدعة فتهرب وتفضل الصقيع.
(2)
الذكرى سحابات تقطعت بها السبل، كل شيء من حولي أصبح صدئا، فراغات تسكن رأسي، الأشخاص دمى تتحرك في بطء ممل، أمشى في طريق ضبابي يرسم طلسما، أضيفه إلى مجموع الطلاسم التى تحيطني، رأسى لا تستوعب التواريخ ولا مكان للأرقام بها، كل ما أتذكره أن للحب سحره المبين، حنينٍ يجعل طيفاً مرسوم بداخلي يسيطر علي أحلامي برغم البعد والبلاد التى تفصلنى عنه، هو الجنون الذي مس قلبي ليجعله ينبض باسمه ويسجد في محراب حبه، ويبتهل إلي الله ان يكون بقربه، تتبدد كل أحلامي وتصعد لتسكن بين تلك السحابات المتقطعة.
(3)
الأحزان تنثال علي قلبي، تتشابك كنسج العنكبوت في بيت مهجور، يسألنى عقل قلبي: متى تكف هذه الأحزان عن الهبوط علي رأسي؟
قصة بريئة تزينها لحظات النزق الأولى تسكن ذاكرتي، أجترها كلما دق بابي عابر سبيل.
القصة تبدأ بفتاة صغيرة، تفتح قلبها على مصراعيه لتستقبل الحياة، تفتح صُرة حكاياتها، تنسى المتربصين الذين تخصصوا في جمع البراءة واللعب بها.
مزيد من الثرثرة يجعلها كتاب مفتوح، يلتقط البعض بقايا حكاياتها، يصنعون منها رواية سخيفة، تقرأها، تلفظهم جميعا وتغلق قلبها.
(4)
شمس الشتاء الدافئة تغريني بجمع أحلامي، على درجات الخريف أقف، يتناثر فُتات العمر علي الدرجات السفلى، رعشة تنتابني، أتحاشى النظر إلي طفولةٍ قد ماتت منذ عقود وشباب حالم لا يعي الحقيقة ويقظة خريفية مليئة بالأشباح، ينقبض قلبي منها، ترتجف أنوار قنديلي، أتحسس مساحيقي التى جفت وشجرة الخريف التى صارت بلا ظل، أحاول تجميلها، لم يعد التجميل فيها يجدى.!!
(5)
صديقي:
لا تجهد نفسك في البحث عني، فلربما إذ وجدتني أصابك البؤس لحالي، فالوردة حين تذبل لا تبهج.
عذرا، فقد حان وقت الزهد والتنسك، ففتاتي هربت من ساحتي وخلفت لي بقايا نبع جف، وحطب أيام جافة، وكوخ قديم يجتاحه الصقيع.
أنا الآن غريبة عني، وغُربتى قد عصف بها الزمن فأطاح بكل أوراقي الخضراء، فلا يغرَّنك بقايا ألوان تتماهى علي حائط الزمان وتترنح في فضاء ضبابيّ بلا أحلام.
فلولا بقايا كبرياء لهزمتْ أضعف عاصفة شجرتي المتهالكة وقوضتها ونثرتها لتضيع ما بين الأتربة والهواء.
تدعوني للحياة، والرحيل يدعوني، فأذعن للصوت الاقوى وأرافق الرحيل.