المنهج العلمي

المنهج العلمي

محمود حمدون

اللوحة: الفنانة المصرية إيمان أحمد

أدركت بعد سنوات أن زملاء الدراسة الذين لازمتهم طيلة سنوات، قد أصابهم الوهن، وتلك سنّة الحياة، لكن لاحظت أن كثيرًا منهم ولجوا سراديب التيه، تلك التي يدخلها المرء عاقلًا فيخرج منها إن كُتب له نجاة وقد ترك وراءه بعضًا من نفسه، منهم من رأيته يسيح في الأرض يحدّث أشباحًا، أخرين امتشقوا حسام الوهم وانطلقوا يحاربون طواحين هواء، قلّة غابت عقولهم واقتربوا بشدة من حافة الجنون.

عدا اثنين وجدت بهما رجاحة عقل وبعض من منطق، الأول اعتصم منذ أسابيع ببيته واعتزل زوجته وأبناءه وراح يتحدّث مع مرآة الحمام، لا يأمن إلأّ إليها، والآخر التقيته من سويعات على رجاء قضاء مصلحة عاجلة، وجدته لا يزال يحتفظ ببقايا وسامة من الماضي، بينما اندفعت بطنه للأمام قليلًا لدعة أصابته على كبر.

سرت جواره نتذكر أيامًا ولّت، ذكريات لأحداث قديمة كنّا نفر منها فرار السليم من الأجرب، كان يُسرع الخطى فسألته: لمَ العجلة؟ فأجابني: الطريق طويل إلى ” بلبل “

ثم أثنى بقوله لمّا رأى جهلي زاد عن حده: أتذكر محل العطارة الذي ذهبنا إليه سويًّا منذ عشرين عامًا، ذلك الذي يجاور ” سيدي النافع “، فأومأت برأسي لعلمي أنه يكره الجدل وكثرة الأسئلة، وأكمل هو: سنوات عشرة كاملة وأنا أُجري تجربة وراء أخرى للوصول لعقار يستنبت شعر الرأس من جديد، ثم تحسس بيده تلك الصلعة التي تأكل نصف رأسه وقال: أنفقت جُل مالي على تلك التجارب، وبغضب رقيق أردف: أنا أتّبع منهجًا علميًا لم أحد عنه أبدًا، وأجزم أنّي قد اقتربت، قال عبارته الأخيرة وابتسامة كبيرة تغطي وجهه بالكامل. ثم استنشق كمية كبيرة من الهواء، كتمها بصدره وأطلقها دفعة واحدة ووراءها عبارة قاطعة: عند ” بلبل ” العطّار سأجد مرادي، ثم أغمض عينيه وتوقف بعض الوقت ليلتقط أنفاسه، توقفت ” أتان ” عن نهيقها تقديرًا لحُلمه القديم.

وصلنا للدكان بمشقة، قابلنا على مُدخلة كهلًا يقترب من الستين، مكفهر الملامح، اندفع إليه صديقي وذكّره بنفسه وقد بدت على العطّار علامات ضيق، فلمّا رأيت نُذر الخطر تقترب، آويت إلى ركن قصّي وعبثت بأزرار هاتفي المحمول، وتعلّلت لهما بمكالمة طارئة، نصف ساعة والحديث بينهما يدور بهمس،

ثم أقبل بعدها صديقي وعلى وجهه آيات الظفر والنصر وبيده حقيبة سوداء يئن من حملها، تلك المرة أومأ هو برأسه إليّ وقال: أقسم أن التركيبة على وشك النجاح، ثم علا صوته مخاطبًا الحوانيت المغلقة على الجانبين بحي الصاغة القديم: سأبيعها بالدولار، فأمّنت على حديثه وهنّأته، لكي أتجاوز الموقف انحدرت بحديثي معه لسنوات الصبا، ضحكتُ على أحداثها، صرت أذكر له تفاصيل موقف وراء آخر وقد لوّحت بيدي كأنما أبعد خاطر أن تعود تلك السنوات من جديد، حتى غلبني الصمت فجأة فخفتّ أن أصيبه بملل فالتفتُّ إليه فوجدتني أرافق الخلاء وتصحبني نباح كلاب من قريب يبدو أنها رأفت بحالي، بيدي حقيبة سوداء متخمة بأشياء أجهلها، بينما نظرات المارة تخترق عظامي كأنما تُخبرني أن أخوة لك ينتظرونك منذ بعيد وبعيونهم سؤال: لمَ تأخرت عليهم هكذا؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.