وليد الزهيري
اللوحة: الفنانة الكويتية هاجر عبد الرحمن
انعطفتُ بسيارتي داخل الشارع الجانبي، متتبعًا الأسهم الجيرية المشيرة إلى محلِّه، أخذتُ شهيقًا معبأ بنسمات نيلية عليلة عند انحسار شمس الظهيرة الشتوية الدافئة، بعدما قطعتُ الزمالك طولًا وعرضًا بحثًا عنه، توقفتُ عند نهاية الأسهم المرسومة على الحوائط عند مدخل إحدى العمارات العتيقة، ممسكًا بحقيبتي البلاستيكية.
صعدتُ خمس درجات تتوسطن فناء المدخل، يتبعهن يمينًا صف من درجات السلم، تنحني عند نهايتها يسارًا تجاه الطابق الأول، يجلس أسفل الصف الأيسر في (بير السلم) رجل طاعن في السن، يستر صلعته بقبعة روسية سوداء من فرو الثعلب، مرتديًا نظارة (كعب كوباية)، يجلس خلف مكتب صغير، مكَّنه قوامه النحيل من وضع قدم على الأخرى، هيَّأ فوق ركبته سترة سوداء (سموكن) بالية، ممسكًا بيسراه أحد أكمامها، يغرز بيمينه إبرة فيها خيط أسود، يرتق المرفق.
ترك سيجارته المشتعلة في المطفأة بجوار مكواة صغيرة على مكتبه الصغير ذي اللون الأحمر، المكتوب على صدره بخط أبيض كبير (رفا أبو وليد).. يتسرب دخان سيجارته نحو جوف (بير السلم)، متماهيًا فوق ماكينة الخياطة، وبعض الأرفف المكدسة بالملابس أغلبها داكن اللون، يستدير الرف مع الحائط يسارًا منتهيًا بمساحة كافية يستقر فيها راديو قديم، يتوقف مؤشره على إذاعة (أم كلثوم) على مقربة من أذن (أبو وليد)، معلق فوق رأسه على الحائط (مصباح نيون 60 سم)، نظر نحوي حينما حاولت إشعاره بوجودي:
ـ السلام عليكم.
طعن سن الإبرة في كم السترة، دافعًا بأصبعه نظارته من منتصفها نحو عينيه:
ـ وعليكم السلام.
مددتُ يدي في قاع حقيبتي مصدرة أزيزًا نفر منه، ابتسمتُ في وجهه مقدمًا (أفارولي الكحلي)، ومشيرًا نحو مزق في منتصف ركبة البنطلون يشبه حرف (L):
ـ لو سمحت ارفيه.
تفحصه بعين الخبير قائلًا:
ـ قطع ضبة ومفتاح؟
ـ نعم.
تحسس ملمس القماش حول القطع ملاحظًا جفافه، ابتسم ساخرًا:
ـ أنت رشيت عليه البودرة إياها؟
نظرتُ نحوه خجلًا:
ـ أنا مقيم في الصحرا، ولازم أتصرف.
مط شفتيه متفحصًا (الأفارول) من داخله، حتى أمسك أحد الجيوب الداخلية مقارنًا بين حجم الجيب وحجم القطع:
ـ البودرة بتشيط القماش والقطع بيرجع تاني، بس حظك حلو، فوت بعد أسبو..
قاطعته قبل أن يتمم كلامه:
ـ أنا مسافر (العوينات) بكرة آخر النهار، ولازم آخد (الأفارول)، واللي أنت عايزه أدفعه.
رمقني بنظرة كتلك التي تفحص بها القطع، مدركًا صدق كلامي:
ـ مش مسألة فلوس، اقعد هخلص اللي في إيدي واعمله لك.
جلستُ أمام مكتبه على مقعد من الخيزران لا يتواءم مع شكل المكان.. سحب من سيجارته نفسًا طويلًا، أمسك بإبرته يتمم ما كان فيه، سيطر عليَّ فضول مهنتي الصحراوية متأملًا كل ما أراه بأعين مجهرية، تابعته وهو يغرز الإبرة بخيطها الأسود في طرف الثقب، ويجره نحو الطرف الآخر منه، كرر تلك العملية بشكل عرضي عدة مرات متراصة، مندمجًا مع أم كلثوم وهي تغني “يَسْهَرُ المصباحُ والأقداحُ والذكرى معي.. وعيونُ الليل يخبو نورها في أدمعي “.
هز رأسه يمينًا وشمالًا، مخرجًا زفيره المعبأ بدخان سيجارته، التفت إليَّ قائلًا:
ـ لا مؤاخذة.
ـ ولا يهمك، أنا كمان بدخن.
أخرجتُ سيجارة من علبتي وأشعلتها، رفع الكم والإبرة إلى فمه يقطع خيطها بأسنانه، وعيناه معلقتان بعلبة سجائري المستوردة وأنا أضعها في (جيبي)، قَلَبَ ياقة السترة السوداء، سحب من نسيجها خيطًا أسود ولضم به الإبرة، عائدًا إلى نفس الثقب، يجذب أطرافه ولكن هذه المرة طوليًّا، تصدر منه بعض الابتسامات غير المبررة بين حين وآخر، معيدًا النسيج إلى ما كان عليه، لمحني بطرف عينيه الضيقة، تشاغلتُ عنه بالنظر للأرض، شد الإبرة بقوة حتى اندمل الثقب، غرز سن الإبرة في الكم مرة أخرى قائلًا:
ـ عدم المؤاخذة يا أستاذ.. أول مرة أشوفك هنا!
ـ فعلًا.. أنا وصلت على السمعة، قالوا لي محدش هينجدني غيرك؟
ـ المُنجِد ربنا، حضرتك بتشتغل إيه؟
ـ مهندس.
دقق النظر غير مكتفٍ بإجابتي:
ـ كمِّل؟
أشفقتُ عليه قائلًا:
ـ أنا شغلي في الصحرا بس مش بتاع بترول، أنا يا حاج بتاع طوب وزلط.
عقب مبديًا تفهمه:
ـ جيولوجي يعني؟
تعجبت من دقة تعبيره:
ـ بالظبط.
عاد للنظر إلى ثقبه وابتساماته:
ـ أنعِم وأكرم.
قطع الإبرة بخيطها الأسود بعدما أعاد نسيج ثقب السترة البالية، أخذ نفسًا عميقًا، جاذبًا طرف خيط من بكرة بيضاء، صانعًا دائرة بخيطه الأبيض حول الثقب ذات غرز واسعة وابتساماته المتلاحقة لا تنقطع، ثنى السترة بود، وأودعها في كيس أحمر باهت أسفل المكتب، وخبت مع السترة حالة البهجة التي تعتريه، وقبل أن يشرع في العمل (بأفارولي)، سمع (نفير) سيارة فارهة، توقفتْ أمام المدخل تمامًا تحمل لوحات (هيئة دبلوماسية)، هرول (أبو وليد) نحوها منحنيًا أمام زجاجها المعتم، انخفض شباكها، فاحت منه رائحة عطور باريسية، استرقتُ السمع محاولًا فهم ما يدور هناك:
ـ Bonsoir, Abou Walid .
ـ Bonsoir, Madame .
امتدت يد بضة من خارج السيارة بمعطف وردي:
ـ Il Des Trous Dans Le Manteau .
أخذه منحنيًا:
ـ Avec plaisir. Salutations à Son Excellence l’Ambassadeur .
بادلته التحية بابتسامة فرنسية، ورحلتْ، صعد الدرجات الخمس وهو يفتش في جانب المعطف عن ثقوبه، هز رأسه بعدما تأكد من حسن توقعه:
ـ العتة مبتخليش، حتى بالطو مرات سفير فرنسا.
ثنى المعطف على ظهره بتأدب بالغ، مفسحًا له مكانًا في صدر الأرفف، كأنما يجلس زوجة جناب السفير في مكانها اللائق بين زبائنه، عاد لمقعده وهو ما زال على تأدبه، تأملته قائلًا:
ـ تعرف فرنساوي؟!
ضحك مقهقهًا، وهو يضع (أفارولي) فوق ركبته:
ـ وإنجليزي وجريجي وطلياني كمان.
لاحظ علامات الذهول على وجهي، تابع مفسرًا:
ـ في أيام غير الأيام دي، كانت الزمالك ولا الأمم المتحدة.
هز رأسه متأسفًا:
ـ آدي حال الدنيا.
ـ لسه عندك زباين أجانب؟
نظر لأعلى مقلبًا في ذاكرته نحو سقف المدخل المزخرف بلوحة زيتية لفتيات لا يسترهن إلا قليل من الثياب يشربن من نهر أبيض..
ـ الست فرنشيسكا الطليانية.
ـ ست؟! هي عجوزة؟
دارى سنوات عمره، قائلًا:
ـ من دوري..
قص جزءًا من أحد الجيوب الداخلية (للأفارول)، متأكدًا من انتباهي لما سيرويه:
ـ آخر مرة شوفت فرنشيسكا، كانت جايبة فستان سواريه بتلبسه من السنة للسنة، ويوم ما استلمته كان معاها ديك رومي صاحي، طايرة من الفرحة علشان ولادها وأحفادها جايين من إيطاليا يقضوا معها راس السنة.
أشعلتُ سيجارة، وقدمتُ له الأخرى، وهو مستمر في سرده:
ـ وزي كل سنة يوم واحد يناير.. تنزل م النجمة، لابسة فستانها السواريه، وابتسامة خيبة الأمل مرسومة على وشها، ومكياجها سايح تحت عينيها، والدندي متكتف في رُزه، توزعه علينا أنا وعم إبراهيم اللي على الناصية وخليل البواب.
لمحتُ نظرة حزينة مختلطة بالحيرة في عينيه، مسترسلًا:
ـ يا ترى هتجيب فستانها السنة دي.. أرفيه؟
قطع حديثه شاب قوي البنيان في أواسط العشرينات، توقف على الباب وفي يده سلسلة مفاتيح متدلية يلفها حول أصبعه:
ـ مساء الخير يا حاج.
مد يده أسفل المكتب مخرجًا الكيس الأحمر الباهت:
ـ خد يا (وليد) جاكت عمك (بهجت) المونولوجست الله يحفظه.
تبسمت مدركًا سر ضحكاته المكتومة كلما تذكر نكات صاحب السترة، وأكمل “أبو وليد”:
ـ وقوله يكوي دايرة (السراجة) البيضا علشان يفرد النسيج، وخد منه خمسة جنيه بس.
أمسك بالكيس منصاعًا:
ـ حاضر يا بابا.
أثار الفارق السني الكبير بين (أبو وليد) وولده فضولي:
ـ أنت اتجوزت كبير ولا إيه؟
تفرَّس ملامحي مدركًا مغزى كلامي:
ـ لا أبدًا، بس الواد جه بعد شوقة على أربع بنات.
وضع قطعة القماش المقصوصة من الجيب فوق الركبة الممزقة، ممتنًّا لنفسه عندما وجد حجمها يداري القطع تمامًا، تحرك بكرسيه نحو ماكينة الخياطة لسد الجيب الداخلي، بحثتُ عن جملة أقتل بها ملل الانتظار:
ـ تعبتك معايا.
ـ أهم حاجة في شغلتنا الصبر وطولة البال.
أبديت إعجابي بتفانيه:
ـ أنت ولا بتوع الجيولوجيا يا حاج.
ـ متآخذنيش.. محصَّلة بعضها، أنت في شغلك بتدوَّر على الصخور النادرة علشان تظهرها للناس.. وأنا في شغلي بدور على العيوب علشان استرها عن عيون الناس.
لم أعقِّب.. باحثًا عن أفق آخر للحوار:
ـ أنا قولت أفارولي مش هينفع تاني.
ـ ياما ورد علينا.
ـ بيجيلك حاجات زي كده؟
ـ متعدِّش.
ـ طب إيه أغرب قطع جالك؟
أوقف ماكينة الخياطة فجأة، ورمقني متجاوزًا وجودي ناظرًا نحو الفيلا المقابلة لباب المدخل، ثم عاد يحيك الجيب:
ـ (الملازم رؤوف البنداري).. كان شاب خِرِع لحد ما راح الحربية.
لم أبدِ أي رد فعل، مستخلصًا نبرات صوته المتحشرجة من بين صوت أم كلثوم وماكينة الخياطة:
ـ جالي المحل وراسه محنيه في ليلة من ليالي (67) وفي إيده بدلة ميري، رفعت الجاكت في النور أشوفه من غير ما عيني تيجي في عينه، لقيت خمس خروم بطول الضهر والمسافة اللي بينهم واحدة تقولش بالمسطرة، بس ما كانتش بدلته، أصله سُفيِّف ودي بتاعة واحد جِرِم.
ـ وبعدين؟
ـ طلب مني رفي الخروم، وتقييف البدلة على مقاسه… حالته ما كانتش تسمح لي أسأله، إطَّقَّست، وعرفت إن حضرة الملازم لما اترحَّل لـ (الحَسَنة) كان مسخرة دفعته، بسبب حي الزمالك، ربك بعت له (النقيب عبد الصمد)، وقف جنبه، واتعلم (رؤوف) معنى التار عند الصعايدة من حكاوي (عبد الصمد)، واتعلم (عبد الصمد) ازاي ياكل بالشوكة والسكينة من (رؤوف).
حرك كرسيه بعدما أنهى عمله على ماكينة الخياطة عائدًا إلى مكتبه، هيَّأ (الأفارول) على ركبته مستهلًّا رفيه، وتابع:
ـ وجت غارة إسرائيلية على (الحَسَنة)، أخد (عبد الصمد) في حضنه (رؤوف) والطلقات في ضهره.
ـ بس (رؤوف) ما سابوش للديابة تنهشه، رجَّع جثته لأهله، وأخد منهم بدلته الميري.
فتحتُ علبة السجائر، واقتسمت معه آخر سيجارتين:
ـ وفي نهار (73) لمحته خارجًا من بيته في بدلة (عبد الصمد).. عرفتها من ضهرها.. أصل الواحد ما يتوهش عن شغل إيده.
أخرج زفيرًا ثقيلًا من صدره، قائلًا:
ـ وأخد (عبد الصمد) معاه، علشان ياخد بتاره.
ترقرقت دمعة في عيني، عللتها بدخان السجائر، وهو مسترسل في حكيه:
ـ وجالي المحل مرة تانية بعد الحرب بدر منور، أرفي له البدلة من قطع صغير في الكتف، بس المرة دي كانت رأسه ورأسي في السما.
أشار وهو منهمك في عمله بيده نحو باب المدخل:
ـ فيلا لواء أركان حرب (رؤوف البنداري)، هي اللي قدامنا.
نهضتُ من مقعدي أنظر نحو الفيلا في إجلال وإكبار، لمحتُ نور الحجرة المقابلة يُضاء، ويد تفتح مقبض باب الشرفة الصدئ، خرج للشرفة مسن يتوكأ على عصاه، جلس على مقعد بالزاوية، ينظر بشجن وحنين لحائط الحجرة المعلق عليه (فاترينة) زجاجية بداخلها بدلة عسكرية.
رفى (أبو وليد) نصف الرقعة منكفئًا عليها، غير قادر على النطق.. مثلما أضحيتُ غير قادر على الاستماع، تعللتُ بقراءة رسالة على هاتفي، متجاوزًا المشهد أثناء هبوطي السلمات الخمس:
ـ مضطر أمشي، أمر عليك في طريقي قبل السفر.
مال برأسه نحو كتفه الأيمن:
ـ بس الاستلام، من محل (وليد) ابني في الشارع العمومي جنب (برج السعادة).