زواج سري

زواج سري

بثينة الدسوقي

اللوحة: الفنان الفرنسي إميل منير

القطة التي تزور حديقتي عرفتها صغيرة تتعثّر في خطاها، نحيلة مُزركشة الفراء، يُنبئ شكلها عن تمازج قط شيرازي جميل الشكل بآخر بلدي شرس الأنياب، وهذا ما جعل قلبي يتعلّق بتناقضها.

 مواؤها الرقيق الذي يتحول في لحظة إلى شبيه الصراخ، وفمها الصغير الذي يفتح بزاوية مستقيمة لتبدو أنيابها زاعقة، وكأنها تقول: لا يغرنّك فرائي فأنا بشراسة نمر!

جهزنا لها في الزاوية البعيدة بيتاً فأبت دخوله وصارت تنام وتقضي قيلولتها على أرجوحتي، لا بأس.

في اللعب هي رقيقة رشيقة ناعمة تستجيب لمن يمنحها التقدير الذي ترضاه، وإلا تنسحب بهدوء لا مُبالٍ، ما أشبهها بأنثى تُدرك قيمة جمالها فإن لم تلمح الإعجاب تُغادر من فورها.

وكلاهما لا تُفصح ما الذي تفعله حال وجدت الإعجاب والاهتمام! هل تمنحُ بالمُقابل أم تراه الغدر شيمة كما يقال؟!

قطة الحديقة الحرة؛ أكثر ما أقبلت عليه من طعام هو بسكويت مغطى بالحليب؛ وبالطبع تأنف تناول خبزنا العادي.

***

رأيتها يوماً تتناول البيتزا الإيطالية بشهية رائعة، فحييتها بإيماءة من رأسي وأخرجت هاتفي لألتقط اسم المطعم في صورة، لطالما اعتبرتها ذات ذائقة لا تُبارى، وجلوسها في هذا المطعم هو توصية دون إعلان. أحبها، أجل.

شعرها أسود أو كستنائي أو أحمر أو بُني تتخلله الخصلات الذهبية، لا أدري، فهي لم تدع له الفرصة أبداً ليظهر بحقيقته، هي حريصة كل الحرص ألا يُدرك أحد شيئاً واحداً عنها، كل ما خمّنته أنها رقيقة إلى حد الشراسة، وأنها لم تتزوّج بعد، فقد كانت دائما تصوب لمُحدّثها إن أخطأ: آنسة من فضلك.

وأنا أعرفها بالطبع، لكل كوكب قمر! وهي مضيئة بشكل مبهِر يخلب العقل. أختلق أعذاراً لكل رجل يحاول التطلع لها، فهي القمر ولها المناجاة، لقد قتلت الغيرة في قلبي كامرأة بروعتها، ناعمة؛ ناعمة!

الأظافر؛ مَطلية دوماً بلون خلاب يُظهر جمال بشرتها، لم تفشل يوماً في إبهاري بقدرتها على الخيلاء المقترن بالترفُّع عن كل تافه.. مُتعالية؟ كلا، هي تُدرِك ما هي عليه.

***

 الجميع يُدرِك، ويُلقي لها بأطباق البسكويت المُغطى بالحليب، فتُقبِل في نَهم ثم تُغادر إلى حيث لا يعلم أحد.

طال وقت غيابها..

مُتثاقِلة.. تتحرّك في خِزي غريب، مواؤها لا ينقطع، تجلس دائما في البيت بزاوية الحديقة- ذلك الذي رفضته قبلاً، لم تعد تستطع تسلُّق الأرجوحة بهذه البطن المُنتفخة!

سألتها ذاهلة: من فعل بكِ هذا؟ الدموع المتحجرة في عينيها انهمرت فجأة، مسحتها برقة، وبأصابع تخلو من خاتم زواج، كان أمراً سريعاً جداً، أمرًا لا يستحق الإشارة إليه. 

يا إلهي! أكان زواجاً سريّاً أم مُعلناً وانتهى بلمح البصر؟

نعم، هناك من قذف القمر البعيد بحجر! هناك من لمسها فاحترق، تأذّى، نالت منه المخالب والأنياب!

جلست كملكة. وطلبت لها بيتزا إيطالية من مطعمها المُفضَّل.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.