عجز

عجز

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان الفرنسي كلود مونيه

يشده الجريد المتراقص مع دفقات الهواء، فيتخيلها صبية واقفة تنتظره على عتبة أحد البيوت، فيردد:

تعالى تلات 

تعالى تلات 

يا تاجر الحِنّا 

ينتبه إلى وهن صوته، والحشرجة التي به، فيكف، ويخلع عينيه، في حركة الارتداد، يقع بصره على جاره، فتنفرج شفتاه، ويرفع كتفيه ويسقطهما، يقول:

 ـ يعني هنا خد زمانا وزمن غيرنا.

بينه وبين نفسه يردد الجملة مرة ثانية، ويعود ويترحم على أيام زمان. 

ـ مش تجيب واحد يقلمها.

ـ ومين يقدر؟ بص.

يتفحص طولها، يتساءل. كيف لم ينتبه إليها؟ وحولها يُبقي عينه، ويتمني

 لو قام وتسلقها، رغبة يجدها ملحة، كيف؟ ومن أين له بالشجاعة ليفعل ذلك؟

 يشعر بضعفه، فيمص ريقه، ويستجمع قواه، ويهمس:

 تعالى تلات 

نشتري الحنة

ونحني البنات 

ينظر حوله لا يحس بشيء غريب، ما عدا نظرات جاره فكل شيء يبدو عاديا.. يشده الصوت:

 ـ مالك؟

يخلع عينيه من على النخلة، ويحطهما على وجه جاره، يمنحه ابتسامة، ويروح يتابع ذبابة لحوحة تحاول الوقوف على جبهته المغضنة، تركها حتى وقفت، مد يده، هشها، ثم أعطاه حق الدخان وطلب منه لف سيجارة.

يناوله السيجارة، فيدفع بها بين شفتيه يكون هو قد أشعل عود الثقاب وحوط على ناره براحة يده، يسحب الدخان، ويطلقه بواسطة زفرة قوية، ما إن ينتهي من النفس حتى يسقط يده لتتمدد على فخذه المفرودة.

هو الآن في وسط السيجارة، يأخذ نفساً ثم يحبسه، وبعد لحظات يطلقه، وهو مغمض العينين، ثم يأتي النفس الثاني، فيقبض سعال على روحه، فلا يكمله، فيلقي بالسيجارة، ويدخل في نوبة متصلة.

ينادي جاره على ابنته، فتخرج، وبيدها طاجن به رماد، تضعه أمامه، فيميل بوجهه، يبصق قطعة لدنة خضراء، ويريح رأسه إلى الجدار، في وضع يكون فيه في حالة عناق مع النخلة:

ـ أجيبلك دوا ضيقة الخلق. 

 يسكت، فتعرف أنه لا يريد، فتتركه، وتدخل، فيمنح وجهه للبراح.

 ـ مش عاوزه تتقلم؟ 

يقول جاره، فيسترد هو عينيه ويرد موافقا:

 ـ آه عاوزه.

 ـ طيب ما تجيب واحد.

ـ غير القلام.

ـ يعني ما فيش غيره!

يكتفي بهز رأسه مرة واحدة، ثم يسكت.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.