البحر أبدا.. لا يغفو

البحر أبدا.. لا يغفو

ريما إبراهيم حمود

اللوحة. الفنان الفنلندي كيرسي جولكو

 

طرطور


ناداها منتشيا بعبق أرض خضراء ندية:

– سابقيني إلى الشاطئ.

ابتسمتْ تحسب المسافة حتى الشاطئ: 

– بعيد 

دفعها أمامه برقة:

– بك سيكون أقرب. 

 ركضتْ أمامه في مرج من الزهور، سابقته حتى ظل شجرة، ضحكا كثيرا و ناديا بعضهما البعض لاهثين، أسندت ظهرها شجرة وارفة، توسد قدمها، رسمت على جبهته ( أحبك)، غنت لهما عصافير الربيع طويلا.
ركض وراءها بعد استراحة إلى الشاطئ، غرزا أقدامهما في رمله الدافئ، تركا الموج الناعم يرقص فوق أقدامهما، راقبا غروبا مدهشا عانق الحب فيهما، ثم جلسا يفترشان عشقا وراقبا نجوما ليس مثلها.

 أفاق من حلم يقظته؛ فوجئ بها قد تركته وراءها سبقته إلى شجرة ورد تمدّ يدها لتلمس وردة أغرتها بالقطف.
صاح بها زاجرا: 

– تعالي؛ قلت لك ألف مرة لا تتجاوزيني أبدا وتمشين بمفردك، ماذا سيقول الناس عني (طرطور)؟!

*** 

هدير

  • البحر لا يغفو يا عزيزي.
  • يغفو.. يغفو.. نامي أرجوك.

سحب الغطاء على رأسه، ليستلذ بنوم بدا لها مقيتاً. 

جلست بجانبه، علقت عينيها بمصباح الغرفة المطفأ، متجاهلة المصباح الجانبي الخافت.

 أرادت أن توقظه، لتجادله بالحجة و البرهان مثبتة رغم عناده أن البحر لا يغفو، هوسها بهذه الفكرة جعلها تدمن القلق.. وضعت كتابا في حجرها، قرأت طويلا دون أن تفهم شيئا.. تترك الصفحة لتعود إليها بعد دقائق.

 تقلبت على حواف السرير طويلا، أغمضت عينيها، حاولت أن تصارع قلقا، عادت خائبة، ظلت تسمع هدير الموج كلما حاولت أن تغمض عينيها، اشتاقت روحها للبحر.

 تسلقت السرير إلى رأسه، أزاحت الستارة وراءه، سحبت النافذة العنيدة فنفضت في وجهها غبارا قديما، عطست، أطلت عليه نائما كطفل.. مدّت رأسها من النافذة، عبّت نسيم بحر أسعدها، أصغت لهدير الموج الرائق، ضحكت، قهقهت، عادت إلى الوراء، جلست فوق رأسه تهزه:

  • قلت لك البحر لا يغفو.. قم و استمع.. قم.

رفع رأسه فرآها مطلة برأسها خارج النافذة، سحبها من طرف ثوبها إلى الوراء:

– هذه أصوات المكيفات يا حمقاء.. أقفلي النافذة خنقني الغبار.. نامي. 

**** 

مشاركة

– و أستطيع أن أفعل ذلك.

– طبعا 

– متأكدة ؟

– المهم هل لديك الرغبة الكافية لفعل ذلك ؟

– لا أعرف.. سأجرب.

 خرجت.. ركبت سيارتها، قادتها إلى الشاطئ، أربكتها جموع الناس محتلة لكل شاطئ مرت به، عادت إلى سريرها والفكرة تأكل نومها، تقلبت كثيرا محاولة أن تحدد مدى رغبتها في تنفيذ الفكرة ومدى حاجتها إليها.

ظلت تراقب أول خيوط الشمس تتسلل من الستائر ؛ نفضت أرقها و قلقها عن وجهها بماء فاتر، عادت تبحث عن شاطئ، حتى اكتشفته مهجورا، تقدمت إلى حافته..بدأ الموج الناعم يغريها بالغرق، ارتفع الماء إلى خصرها، التفتت للوراء، تأكدت أن الشاطئ خال تماما؛ أطلقت صرخة طويلة ممطوطة لقّمتها كل خيباتها و أحلامها الميّتة انتفضت الأمواج و اهتز الهواء من حولها.. تنفست لثوان و أطلقت صرخة أخرى ارتجت روحها فيها، توقفت عن الصراخ..غرفت من البحر قليلا غسلت به وجهها، تسربت راحة إلى قلبها، خرجت من الماء منتشية بالصراخ، وعندما عادت إلى سيارتها اكتشفت أن غريبا واقفا على حافة الشاطئ قد سمع صراخها حين رفع يده ملوحا لها ب: Like

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.