اللوحة: الفنانة السورية بسماء القطيفان
لم أشعر يوما أنني غبيا أو أقل من زملائي في التحصيل الدراسي بل كنت أتفوق على معظمهم، لم يكن ينغصحياتي إلا معلم اللغة العربية الذي عندما أراه أسقط أسيرا للإحباط ويتملكني شعورا بأن الأمل الذي يملأ قلبي والحلمالذي يجول بخاطري سيتحول إلى أوهام، كان عبوسا وملامح وجهه معقدة يصعب فك غموضها، ولسانه سليطايقطر سما وينطق بأقذع الألفاظ.
وفي أتعس أيام حياتي فوجئت بهذا المعلم ضخم الجثة ينصح أبي بأن يتقدم بطلب إلى مدير المدرسة لتحويلي إلى «نظام الدمج» الذي يضم الطلاب أصحاب الفهم البطيء كنت أعاني من تلعثم بسيط في النطق إثر إصابتي بصدمةنفسية وعصبية بعد وفاة أمي بسكتة قلبية والتي برحيلها شعرت أن قلبي توقف أيضا مع أخر نبضات نبع الحنانوالعطاء، لكن أبي تجاهل طلب المعلم لأنني كنت في ذيل قائمة اهتماماته وقد أحسن صنعا بهذا النسيان لأنني كنتسأصاب بانتكاسة نفسية لو تم ضمي لأصحاب الحالات ذوي الاحتياجات الخاصة.
على الرغم من معاناتي من بطء في الكلام لكن الله أعطاني ميزة القدرة على النقاش والإقناع، وكان هذا المعلمفظا ويتململ ولا يصبر في إجابتي على أسئلته ثم يتعمد إهانتي ويأمرني بالجلوس في مقعدي وسط نظرات زملائيالشامتة وهمهمات وضحكات بعضهم.
كانت أمي حنونة دافئة في مشاعرها تغدق علي الحب فقد كنت وحيدها الذي أنجبته بعد أعوام من الصبروالانتظار يئست خلالها في القدرة على الإنجاب، بينما كان أبي باردا في أحاسيسه ولا أتذكر يوما أنه احتضنني أوقبلني، ولأن حب أمي كان يكفيني بل ويزيد، فلم أنشغل بحب أو كراهية أبي وكانت مشاعري نحوه حيادية..
لم تمر شهور على وفاة أمي وقرر أبي الزواج ورضخ لطلب العروس بألا أقيم معهما فقد كانت تنظر إلي شزراًوألمح في عينيها نظرة تهكم على طريقتي البطيئة في الكلام.. جمع أبي كافة متعلقاتي وملابسي وأخبرني بأننيسأقيم مع جدتي.. ظل صامتا في المسافة ما بين بيتنا وبيت جدتي ويهرب بنظراته من عيناي الدامعتين على فراقكل ركن عشت فيه أيام البراءة ونقشت على جدرانه أجمل ذكرياتي.. أو ربما كان يتجنب مواجهتي لإدراكه في قرارهذاته أنه أجرم بحقي بطردي من البيت الذي شيده من مبلغ مالي كبير منحته له أمي بعد حصولها على ميراثها لكنهوثق ملكيته باسمه.
استقبلتني جدتي بحفاوة وأصرت أن أبات ليلتي الأولى في حضنها لأنعم بالدفء الذي يبدو أنها كانت تحتاجهأكثر مني.. كان والدي نادرا ما يزورها وهي أيضا لم تكن تزورنا كثيرا لكن لم أتعجب من جحود أبي بأمه فقد كانيحاصرني بقسوته منذ نعومة أظافري.
توقعت في اليوم التالي أن تحدثني جدتي عن ابنها العاق لكنها لم تذكره بكلمة، وللمرة الأولى منذ رحيل أمي أجدمن يهتم بتفاصيل حياتي وشؤوني الخاصة، وعلى الرغم من ظروفها الصحية السيئة كانت هذه «الكَهْلة» التيبحاجة إلى من يهتم بها، ترتب ملابسي وتعتني بطعامي.
في ليلة كنت أتسامر معها فسألتها عن سبب سوء علاقتها بأبي، صمتت ثم اغرورقت عيناها بالدموع، وبصعوبةوبعد إلحاحي كشفت لي سرا استحلفتني ألا أكشفه فوعدتها بأن احترم رغبتها، قالت أنها ليست أم أبي لكنها زوجةأبيه وحاولت أن تعوضه حنان أمه التي انفصلت عن أبيه وتزوجت من آخر لكنه لم يستطع أن يبادلها الحبوالحنان، وأنها رفضت قطع صلتها به بعد وفاة والده لكنه كان يقابل كافة محاولاتها بجفاء.
بكيت بحرقة وهي تحكي لي أن أمي كانت تزورها بدون علم أبي وتفتح لها قلبها وتشكو من غلظة قلبه فكانتتواسيها وتطالبها بالصبر، وبعد وفاة أمي ورغبة أبي في الزواج وإصرار زوجته على إقصائي من طريقها عرضتعليه أن أقيم معها ووافق بدون تفكير بينما كانت تتوقع منه مقاومة كبيرة، وقالت بتهكم «يبدو أن تأثير زوجته كانأقوى من رغبته في قطع أي رابط بيننا.»
كانت تهدئ من روعي عندما تلاحظ تلعثمي وتنصت لما أنطق به وتصبر على رغبتي في الحوار وتحفزني علىالتفوق وترفع من معنوياتي بالثناء على شخصيتي، وتتجاهل أي تلميح عما أعانيه من صعوبة في الكلام.. مرتشهور ولم التق بأبي إلا مرات معدودة وكان لا ينطق في الدقائق التي يزورني فيها إلا بسؤال مكرر عن أحوالي فيالمدرسة ثم يترك ظرفا به مبلغ مالي من أجل نفقاتي الشهرية، لكن هذه «الكَهْلة» كانت كل يوم تعطيني درسا فيالعطاء فقد كانت تحتفظ بالظرف مغلقا دون أن تفكر في فتحه لمعرفة ما به، وعندما كنت أرفض تحملها أعباءحياتي كانت ترد بأن المبلغ سيكون عونا لي في المستقبل وأنها سعيدة بما تقوم به وطالبتني ألا أحرمها من الشعوربأن تكون مسؤولة عني بعد أن شاء القدر ألا تنجب ويكون لها ولد، وألا أكرر ما كان يفعله أبي معها عندما رفضمشاعرها.
كبر حب جدتي في قلبي وصارت الهواء الذي أتنفسه والشمس التي أستظل بدفئها من برودة الأيام وعندما كانتتمرض وأشعر أنني يوما قد أفقدها أجلس شاردا في مستقبل مظلم سأعيشه وحيدا فقد أسقطت أبي من ذاكرتي بعدأن وضعني على هامش حياته لكن قلبي لم يستطع أن يكرهه.
ساءت صحة أبي وسقط صريعا للمرض وتخلت عنه زوجته في أزمته ثم تصاعدت الخلافات بينهما وانفصلا،واضطر إلى تسويه معاشه لظروفه الصحية، ثم تدهورت حالته وبات قعيدا، وبدون تردد أو تفكير قررت جدتي أنيقيم أبي معنا، وللمرة الأولى رضخ صاحب القلب القاسي لقرار السيدة التي رفض حبها وحنانها عندما كان طفلا،وأيقن أنه خسر كل شيء ولم يبق له إلا أنا وهذه «الكَهْلة» التي أبت أن ترى نظرات الألم والندم والحزن في عينيهفاحتضنته وظل يبكي وصوت نحيبه كاد يمزق أضلعي.
غسلت دموع أبي بعض مما علق على جدران قلبي من جفاء نحوه.. وايقظت حنينا مدفونا.. ولست أدرى هلبدافع الحب أم الشفقة؟ هرولت نحوه وطبعت قبلة على جبينه فجذبني بقوة واحتضنني وطالبني بأن أسامحه..أطالفي العناق لكنني لم أشعر نحوه باشتياق.