كلب الكانون

كلب الكانون

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان العراقي عماد كوروكيس

 بينما تتقلب الأجساد على الفرش، سعيدة بدفء قليل تجلبه الأغطية، كان قد أكمل تفقد حاجياته من حِجَال وحبال، ورغيف أخفاه في جيب سيالته، استعدادا للخروج.

نور الصباح الوليد، وشقشقة العصافير الساكنة أعشاشها، أسباب كافية لمولد الغبطة في قلبه، والمحفزة على طلب الرزق الوفير. وهو يمضي، يسمع صوت قدميه تخبط على أرض ترابية، فتخدش صمت المكان.

حينما يتعاظم شعوره بثقل الحمل، يحركه من كتف إلى آخر، مع إبقاء عينيه يقظتين لأي همس قريب منه، كل ما يخشاه، الكلاب الشاردة، المتحفزة في أماكنها لكل قدم تدب وحيدة. خشيته منها، يضيفها إلى أشياء أخرى تافهة، يقول عنها لا تهمه كثيرا، مرجعا ذلك إلى القلب العامر بالنور، الذي لا تربكه لحظات خوف طارئة.

قيل له: أتدوم؟

قال هي كلحظات الخوف تأتي، وتمضي، بدون أن تكسر حدة التماع بريق كلمة الرزق المترجم عمليا في ابتهاج الصغار وقت عودته، حينما يجذبون منه الكيس الحاوي على أشياء صغيرة تخصهم، هي السبب للسعي الدائم لجلب القرش حتى لو كان في حنك السبع.

يرى الكلب المتحفز له، والمرتكز على مؤخرته في منتصف الطريق، فيقترب بحذر شديد، تنفيذا لوصية قديمة لجده: “إياك والكلاب الشاردة، ابتعد عنها، فإذا فشلت، فعاملها معاملة كلب الكانون”.

يمد يده إلى جيبه، ويخطو بحذر، يكبح أنفاسه، وسؤال وحيد يملك عليه نفسه، ماذا لو؟ يمضي بدون أن يعطي الفرصة للخوف أن يصل لموطئ قدميه، موجها انتباهه إلى حزمة الحبال والحجال، يحافظ على انتظامها، داخله يردد غواية الأجداد.

 الرزق يناديك.. أينما كان لبي نداءه.

ذات يوم، رآه أمامه، يسد عليه الطريق، وشاف شدقيه مفتوحين، ولسانه ينقط ماء، ظل محافظاً على معدل خطواته. أبداً لم يتخيل ما حدث!

في اللحظة الأولي لم يشعر بشيء، لوقوعه فريسة سهلة بين يدي مفاجأة، انزاحت بعد ثوان، ليظهر حيز الاكتشاف، منه طل بعينيه على الثقوب المنبثقة منها الدماء، شاهدها بعينيه وهي تمضي في خطوط، متداخلة في مسار واحد، راح يبتعد عن محيط ما صنعه الكلب بأنيابه.

حاول إخماد الينابيع، لكنه فشل فأسلم جسده لجدار بيت قريب، داعبه الحذاء، فنزع فردة، وتحت ضغط الألم قام بضرب الثقوب، ضربات جعلته يكتشف خدر اللذة في الألم، فصعد من قوة ضرباته، كان يمكنها أن تستمر، لولا كلمات وصلته من رجل عابر، عتقته الأيام:

ـ يرحمك الله إن كان الكلب مسعورا، وإن لم يكن فالنار علاج له.

لمس صدق كلام العجوز وتراً في نفسه، فأخرج علبة الثقاب، أطفأ نيران أعوادها في الثقوب ثم لف الساق الموجوعة بشال أبيض، وعاد إلى البيت، فيه تحاشى نظرات زوجته، خشية أن تحط يدها على مكمن انكساره، حافظ على وضع سياج بينه وبينها، مسافة خطوتين، نظرات جده، كانت قريبة من البقعة المثقوبة من جلبابه بعدد أنياب الكلب، جذبه إليه، وقال له: 

ـ لم تتعلم بعد.

انتابته نوبة خجل، ففضل السكوت، ومنح جده فرصة للكلام:

ـ ألم تجلس بجوار جدتك؟

قال:

ـ جلست.

ـ بجوار الكانون؟

قال:

ـ كثيرا. 

– ورأيت الكلب؟

ـ كان يهز ذيله. 

ـ فقط. 

ـ يتركها إذا ألقتْ له شيئاً يؤكل. 

ابتسم الجد، وأخبره بأن التعميم يفسد الأشياء.

 تقلصت المسافة بينه وبين الكلب، قال: هذا وقته، ودس يده في جيب سيالته، يُخرج نصف الرغيف، يلقي به إلى الكلب القريب من إعلان ثورته، ويمضي بدون أن يعيره أي نظرة أخرى، فقط يحافظ على انتظام ركز خطواته.

يتخفف من ثقل الوحدة إذ يلوح من بعيد السوق. فيتحسس حافظة نقوده، وأمام كوة صغيرة في جدار الغرفة الواقعة بجوار الباب، يريح اللفة، يخرج من جيبه ثمن تذكرة الدخول، كما اعتاد “خمسين قرشاً”يردها له الرجل، ويخبره بأن ثمن التذكرة، تضاعف، يهم بالاعتراض، لكنه يلمح طيف جدته يتراقص، خلف الرجل، فيبتسم، ويقول:

“لكل واحد نصيبه”

يدفع ويدخل.

في نفس مكان جلوسه يريح حمولته، وعلى جوال قديم يرصها، وبينما هو ينتظر، يلمح حفنة من الناس الذين يطلق عليهم شر الطريق، يقبلون وفي أيديهم الهراوات، بغرض السيطرة على مقدرات السوق.

من مكانه، يراهم، يقفون بجوار الواحد، يحيطون به، يقلبونه، ويأخذون منه الفردة، ومن يمتنع، يطرد، ويضرب.

يقترب منه أحدهم، بيديه يقلب في البضاعة، تابعه وهو ينتشل من الكومة أشياء كثيرة أعجبته، وبنفس طريقة المتابعة، يراه يدس في يده أربع بلحات، ويهمس: 

ـ بالهناء والشفاء 

تضيق الدنيا في عينيه، فيهم بالوقوف، يلمح جدته تبتسم له فلا يكمل وقفته، يجلس ويحني رأسه، ويتذكر الوقت الذي أفناه في فتل ما أخذ منه فيرفع رأسه، يرى على ظهر الرجل جده، وهو يركل كلب الكانون، فيقوم..

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.