اللوحة: ولادة المسيح للفنان الهولندي جان جويست تصور شخصًا مصابًا بمتلازمة داون كواحد من الملائكة.
قاد سيّارته متمهّلًا و شقّ طريقه بتؤدةٍ وصولًا إلى موقف المطرانيّة التي تتوسّط المدينة. هو الموقف الأقرب للوصول مباشرةً إلى سوق صيدا القديم و بالتالي إلى محلّ الفلافل المفضّل لديه، في آخر السوق شرقًا، تحت تلك القنطرة العتيقة في محلٍّ لا تتّفق بساطته مع غنى طعم منتجاته، في مهنةٍ يتوارثها الأبناء عن أجدادهم، هناك حيث لا تصل السيّارة و لا ضوء الشّمس، و لا ضجيج السّوق.
ركن سيّارته في ساحة الكنيسة العريقة التي شهدت مرور من تُؤرَّخ الأيّام بناءً على تاريخ ميلاده، و توجّه نحو المدخل المقابل متمهّلًا و إن كان جائعًا، فهو هنا للرّاحة و للتّنزّه و للاستمتاع بسحر المدينة، هو لم يكن على عجلٍ اليوم، فبعد هذا الأسبوع الطّويل كان هدفه الأول هو نزهة في هذا السوق الجميل الذي قلّما تزعجك زحمته لما تحتويه من مشاهد غنيّة بكلّ أحاجي الحياة.
توجّه إلى الباب الحديدي الذي يوصل إلى مدخل السوق القديم.
من ناحية المطرانيّة هو باب عاديّ صدِئٌ بعض الشيء زاهد بألوانه يحاكي قدسيّة المكان، أمّا من النّاحية الأخرى فهو يستحيل إلى مهرجانٍ من لوحات الشّرق الحيّة، أمام أحد مداخل السّوق تحتل نصفه عربة بائع الليمون، قربه عند زاوية متجر الذهب يجلس الصائغ يستمتع بما تبقى من شمس النّهار، و بينهما عربةٌ على عجلات تتوسّطها صواني الصّفوف و النّمورة و المعمول المدّ، يتّكئ عليها بائعٌ خمسينيٌّ، يناول قطع الحلوى للمارّة مع ابتسامةٍ تحمل مرارة السّنين.
إلى يساره بدويّة تفترش الّرصيف وسط باقاتٍ من الأعشاب والبقول مرتّبةً حولها فتبدو بملابسها الزّاهية الألوان وكأنها زهرةٌ عملاقةٌ وسط حقل من الحشائش، أمّا عن يمينه فهناك بائعٌ عجوزٌ قد جعل من باب المطرانيّة متجرًا متكاملّا لوسائل التّرفيه و الثقافة في القرن الماضي، فعلّق عليه أوراق اللوتو واليناصيب و لائحة النّتائج الكبيرة و رصف تحتها مجموعات من الجرائد والمجلّات من السّياسيّة إلى الأدبيّة إلى العلميّة إلى الكلمات المتقاطعة، مكتبةٌ متنقّلةٌ كاملةٌ صامدةٌ على رصيف مجتمع نسي لمسة الأوراق في دفء الكتب.
– نفِّعنا بورقة يناصيب يا إبني، أنا بِسْتفيْد و إنت إن شالله بْتِسْتَفيْد يوم الخميس أكثر منّي بمئة مرة، طالعه البائع ضاحكاً.
هو لم يشترِ ورقة يناصيب منذ عشرات السنين، ربّما لأنّه لم يربح يومًا “لم لا؟” فكّر بصمت، لعلّ هناك حظّ فعلًا في هذه الأوراق، و استدار متأمّلًا الأوراق باحثًا عن الورقة الرّابحة.
– الله معك يا حاجّة، قالت السّيدة التي مرّت بجانبه مخاطبة البدويّة، عرفتِني؟
كانت سيدة خمسينيّةً مرتّبة الهندام تمسك بيدها طفلة في السابعة من عمرها على ما يبدو، شعرها أسودٌ أملس لامع وعيناها لوزيَّتا الشّكل حالمتا المدى، تطلّان من وجه بريء يشبه وجوه أطفال الشّرق الأقصى. نظَرت إليه و ابتسمت ببراءة و سلامٍ يفيضان من عينيها؛ فيُلقيان ظلالهما على الأرواح المضطربة، والغارقة في ضوضاء هذه الحياة المرهقة باللّوزوميات التي لا تلزم.
عرفها، إنها لا شك أحدى أولئك الأطفال الذين يحملون تلك الهبة، تلك الصّبغية الزّائدة، ذلك الكروموزوم الحادي و العشرين الإضافيّ، ذاك الكمّ المضاف من المعلومات الوراثيّة الذي تبدوالحياة و كأنّها تحاول عن طريقه إصلاح جينات الكراهية عند البشر بإضافة جينات السّلام، و لكنّها لم تفلح بعد في تخطّي عتبة التّطوّر هذهِ دون شوائب جينيّةٍ قد تستغرق مئات السنين قبل أن تستقرّ و تتآلف مع وظائف الجسم البشريّ المعقّد.
- طبعًا عرفتك، أنت إبنة إمّ حسين، من هذه الحلوة التي معك؟ أجابت العجوز بصوتٍ جهوريٍّ واضح النّبرة مع بحّةٍ لطيفةٍ لا تخلو من جمال.
- هذه ابنتي الصّغرى، ردّت السيّدة و هي تحضن الطّفلة ملاطِفةً
- أنا أعرف أنّ عندك ثلاثة شبّان، لم أكن أعلم أنّ عندك ابنةً صغيرة
- – “هذه آخر العنقود، اتتنا على غفلةٍ و دون تخطيط”، أردفت الأمّ إذ ترقرقت دمعةٌ غادرةٌ في عينيها حين تذكّرت وقع الخبر عليها خلال أشهر الحمل و لكنّها أكملت، “هديّة تكرّم الله بها علينا لتضيء حياتنا”.
- – “إبنتك مميّزة”، قالت العجوز و هي تحدّق بالفتاة الصّغيرة بعينيها الخبيرتين اللتين عاصرتا زهاء ثلاثة أجيال، “كلّ الأطفال مميّزون، أمّا هذه فحظّها كبيرٌ منذ أن ولدت ، منذ أن اختارك الله لتكوني أمّها فوضعها بين يديك لتفرحي بها و تفرح بك و تظهر نعمته فيها”
- هي نعمةٌ حقًّا، تملأ حياتنا فرحًا ببراءتها و سلامها و هي عزيزةٌ على قلب إخوتها، فقد تعذّبت منذ ولادتها و خضعت لعمليّة قلبٍ مفتوحٍ و لكنّ الله تلطّف بنا و حفظها لنا حتّى الآن و لكن لا نعلم خفايا الغد.
- – وهل كان عندك شكّ أنّه يجيد الاعتناء بأبنائه؟ انظري إليّ مثلًا، صار عمري خمسةً وثمانين سنةً و لا زلت أجوب الحقول و “أسلّق” الأعشاب قبل شروق الشّمس و لا أتأخّر في أيّ يومٍ عن موعدي في السّوق، و عندي لكلّ داء عشبةٌ و دواء، “شو بَدِّكْ بيْعِك لَتِشْتْري”؟ قالت العجوز بثقةٍ و هي تحدّق بالمرأة الواقفة أمامها.
- أنا أذكر أنّك أشهر قارئة كفّ في الضّيعة، لم أكن أعلم أنّك متخصّصة في طبّ الأعشاب، أجابت السّيّدة مبتسمةً بأدبٍ.
- – “يا ابنتي! اليوم يجب على المرء أن يكون مُسَبِّعَ الكارات ليعيش، و قراءة الكفّ لا تُطعِم خبزًا في هذه الأيّام، و البشر قلّ إيمانهم بالله و بالغيب فصاروا يفضّلون شراء طمأنينة مستقبلهم من شركات التّأمين”، قالت العجوز وتنحنحت قبل أن تضيف “ألا تريدين أن تأخذي ضُمَّةَ كبيرةً من القصعين و باقات السبانخ الباقية لديّ، ستفيدك في علاج مرض الغدّة عند ابنتك اسمالله عليها”
- و كيف عرفت أنّها تعاني من مرض الغدّة يا خالتي؟ سألت المرأة مندهشةً
- – “عيش كتير بتشوف كتير”، أجابت العجوز و تشاغلت بترتيب أطراف ثوبها المغطّاة بالتراب الأبيض و أضافت، “هودي بيطلعوا أربعة آلاف ليرة”
- معي قطعة خمسة آلاف يا خالة.
- – “ليس معي ألف لأردّها لك ولكن أتعلمين ماذا؟ سأقرأ لك كفّ ابنتك بالباقي واعتبريها هديّة، تعالي عندي يا بنيّتي”، و مدّت يديها نحو الطّفلة وعانقتها وأجلستها قربها ثمّ أمسكت يدها بتأنٍّ و كأنّها تمسك حفنةً من الذّهب، “يد ابنتك صادقةٌ يا عزيزتي، كلّ الأشخاص أكفّهم تملؤها خطوطٌ متعرّجةٌ متداخلةٌ تشبه عشوائيّة نفوسهم، أمّا ابنتك ففي راحة كفّها خطّ وحيدٌ مستقيم كروحها لا يعرفّ اللّف ولا الدّوران، إبنتك محظوظةٌ بك يا ابنتي”
أمسكت السّيّدة يد ابنتها و حملت باقات الأعشاب و توجّهت بصمتٍ نحو سوق السّمك.
التفت نحو العجوز وانحنى سائلًا : و أنا يا خالتي أيّة ورقة يناصيب آخذ ؟ أيّة ورقةٍ تخبّئ الحظّ لي؟
- خذ الخامسة من اليمين، أجابته دون أن تلفت إليه وعيناها لا زالتا مسمّرتين على شكلين يبتعدان في أخر الطّريق.
- هذه لك يا حاجّة، قالها للعجوز وهو يعطيها ورقة اليناصيب التي أشارت إليها بعد أن دفع ثمنها للبائع.
- حظّي أنا ليس مكتوبًا على الورق يا ولدي، الحظّ في هذه الورقة ليس لي ولا لك فأنا أعلم أنّك ابن علمٍ ولا تتاجر بعناصر الزّمن، إذهب واعطها لذلك الطّفل الذّي يبيع العلكة أمام محلّ المجوهرات.
سمع دقّة جرس كنيسة المطرانيّة، إنّها الثانية عشر ظهرًا.. لا زال جائعًا.. نظر إليها ثانية واستعاد ورقة اليناصيب، وانحنى نحو ضحيّة المجتمع و السنين التّي تستوطن الرّصيف أمامه. تأمّل منحنيات وجهها التي ترسم دهاليز الأعوام بمنعطفات من الأوجاع، عيناها غائرتان تراقبان المجتمع الظالم من تحت تجاعيد قاسيةٍ جافّة وثائرة، نظرت إلى عينيه للتفرس فيهما، لم يعطها الوقت الكافي للقراءة، وقف على مهل.. “يعطيك العافية يا حاجّة”.. و اجتاز الطّريق نحو الرّصيف المقابل، أعطى ورقة اليناصيب لبائع العلكة الصّغير وأكمل طريقه نحو دكّان الفلافل آخر السّوق القديم.