أبو صباح

أبو صباح

حسن عبد الموجود

اللوحة: الفنان العراقي جاسم الفضل

لم نكن نعرف في قريتنا معني كلمة (سمكري). لكننـا كنـا نعـرف (أبو صباح) بتاع البواجير لم نكن نعرف عن حياته الشخصية غير اسمه وأنه لم ينجب إلا فتاة واحدة (صباح) أما اسمه هو فلا يعرفه أحد منا.

كان يسكن في أطراف القرية في بيت لا أعتقد أنه كان أحسن حالاً من أكواخنا المعدمة.

بعد أذان العصر من كل يوم نلمح من بعيد جسده النحيل المقوس يجر دراجته ذات الإطارين الفارغين من الهواء والتي عاش ومات لا أظن أنه ركبها ويحمل فوقها (بواجير الجاز) المعطلة أو التي تم إصلاحها وقطع الغيار وأشياء أخري يصنعها من الصفائح الفارغة وعلب السالمون مثل الحصالات و(الرباعي) وهي أوعية نكيل بها الحبوب ولمبات الجاز ولا أقصد بهذه اللمبات مصابيح “الكيروسين” تلك التي يوجد منها نماذج في المدينة الآن تستخدم كـ (ديكور) أو في أحيان تستخدم عند انقطاع التيار الكهربائي وبها ترس لرفع وخفض الشريط المشتعل والمتصل بالجاز في جوفها وفي أعلاها يوجد تاج زجاجي يقوي الإضاءة وهي ما نسميها في قريتنا (اللندة أم إزازة).

لا يا سيدي القارئ عم أبو صباح لم تصل آلاته البدائية لصنع هذه اللمبة التي كنا نعدها قمة التكنولوچيا في إضاءة قريتنا قبل أن يصل اختراع (الكُلبَّات) إليها .

عم أبو صباح يا سيدي كان يصنع  لنا (اللندة أم عويل) أو كما يطلق عليها البعض (اللندة أم بِلْبلَة) وهي في أغلب الأحيان تصنع من عُلب السالمون أو علب المبيدات الحشرية والتي يجمعها سمكرينا الهمام من قمامات البندر لا من قماماتنا نحن فهي تخلو تمامًا من أى نوع من المعلبات.

كنا نجلس بالساعات نراقب (أبو صباح) في كفاحه الطويل من أجل الملاليم وهو يقوم بصنع غطاء خاص لهذه العُلب بعد نزع الغطاء العلوي الموجود بها ويصنع ثقبًا في وسطه ويصنع عنقًا حول هذا الثقب ثم يصنع غطاءً محكمًا لهذا العنق به ثقب أيضًا وفي هذا الثقب يثبت البِلْبلَة وهي أنبوب دقيق من الصاج يمر به (العويل) الذى كنا نصنعه من القطن ثم يصنع لها يدًا تساعدنا على حملها .

عندما كانت تغرب شمس قريتنا الكادحة ويعود فلاحوها إلي ديارهم المظلمة كانت أمي تنزع غطاء (اللندة) وتملؤها بالجاز ثم تغطيها وتشغل العويل فيبدد ضوؤها ما يحمله لنا ليل القرية من ظلام مرعب.

كنت أتمني لو رأيتموه معي وهو يتوضأ من الترعة التي تمر أمام منزلنا ثم يصعد على صخرة كبيرة مستوية على جانب هذه الترعة ثم يقف بين يدي الله في شموخ نادر لا أظن أن تمثال رمسيس الثاني يمكن أن يبلغه وكأنه يقول يارب : رغم انقضاء العمر وانقسام الظهر وسواد الوجه وبياض الشعر مازالت  صابرًا على الجوع والفقر والحرمان  .

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.