دنيــــا

دنيــــا

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان التشيكي فيكتـور اوليفـا

بعد رحلة كفاح استمرت عشرين عاما قضينا منها عدة أعوام بالخارج، قررت وزوجتي العودة إلى دفء الوطن،لكن رفيقة عمري لم تنعم طويلا بحياة الاستقرار التي كانت تحلم بها والتي كانت تجعلها تصبر على أوجاع الغربةوسقطت في براثن مرض عضال ثم اختطفها الموت لتترك بقلبي جرح غائر.

ورغم الصدمة التي كادت تفقدني صوابي تظاهرت بالتماسك أمام ابنتي الوحيدة فما كان يشغلني هو أن تنتهي مندراستها وأزفها إلى عريسها.. وبعد تخرجها في الجامعة بشهور تقدم للزواج منها ابن شقيقي الذي يعمل دبلوماسيابدولة أجنبية، وكان متعجلا في إتمام الزواج من أجل العودة إلى عمله وبرفقته عروسه.. سعادتي الكبيرة بزفافابنتي كانت منقوصة لأنها سترحل في وقت احتاجها فيه بشدة.. ظل كابوس الوحدة جاثما على صدري ويقضمضجعي لكني في النهاية استسلمت بعدما رأيت الفرحة تتراقص في عينيها وهي تشتري فستان الفرح.

وجاء يوم الزفاف فإذا بالدموع التي احتبست أعواما تنفجر في لحظة أمام دموع ابنتي وهي تصرخ فقد كانت مثلأي فتاة تحلم أن تلبسها أمها فستان ليلة العمر.. تقدمت نحوها والبستها الطرحة واحتضنتها بقوة وقبلتها ثم أصرتأن اصطحبها ويدي بيديها إلى «الكوشة» لأسلمها إلى عريسها.

كانت لحظة توديع ابنتي وهي في طريقها للسفر إلى الخارج لا تقل قسوة عن لحظات وفاة أمها.. عدت إلى البيتوجلست اتأمل الصور التي تجمعني بالراحلتين حتى تلقيت اتصالا من ابنتي تطمئني على وصولها.. كفكفت دموعيوسبحت في نوم عميق حتى منتصف اليوم التالي.. ثم وجدت في النوم لساعات طوال هروبا من حياة يتشابه ليلهامع نهارها، حينها أدركت أنني على وشك الإصابة باكتئاب

فقدت الرغبة في الحياة وتقدمت بطلب إلى جهة عملي لإحالتي إلى المعاش المبكر لكني تراجعت بعد ظهور دنيا القادمة من مدينة بالجنوب.. كانت سيدة في أوائل الأربعينات واستلمت العمل في الإدارة ذاتها التي أعمل بها.. وعلى الرغم من ابتسامتها الجميلة التي لم تكن تفارق شفتيها كنت في حيرة بسبب ملابسها السوداء ووجههاالشاحب أحيانا.. انجذبت إلى شخصيتها فقد كانت منضبطة في مواعيدها وتشع بهجة بحديثها المتفائل.. حطمت قيودالصمت الذي كبلت به نفسي نحوها خشية أن تأسرني أحاسيس ومشاعر كنت في أشد الاحتياج إليها ثم استفيقعلى صدمة مؤلمة.. 

بتوجس شديد عرضت عليها بعد الانتهاء من العمل توصيلها إلى بيتها.. رحبت بابتسامة فبددت قلقي إلى سعادةغامرة.. سألتها عما يشغل تفكيري نحوها فأخبرتني أنها أرملة ولن تخلع ملابس الحداد قبل مرور عام على رحيلزوجها حسب العرف المتبع في بلدتها.. وأن التحاق ابنها بالجامعة في العاصمة شجعها على اتخاذ قرار النقل منعملها للاستقرار بجواره بعد معاناته من أزمة نفسية إذ نجا من الموت في الحادث ذاته الذي لقى فيه والده حتفه.. وظل فترة يخضع للعلاج النفسي.. وعندما علمت أن شقيقي محام مشهور طالبتني بمساعدتها في انتزاع ميراثابنها من الشقيق الأكبر لأبيه الذي يرهن منح ابنها حقوقه بالموافقة على الزواج منها.. تقاربنا خلال فترة وجيزةوالتقينا عدة مرات خارج العمل.

كنت أظن أن زوجتي هي الحب الأول والأخير في حياتي ولم اتخيل يوما أن يستوطن قلبي غيرها، لكنه حدثعندما تقربت من دنيا التي زرعت بضحكتها الجميلة المساحات القاحلة في صحراء حياتي بالورود الجميلة فحولتهاإلى بستان نزعت منه أشواك كانت تدميني.. اقتحمت دنيا قلبي في أحلك فترات حياتي.. توقعت أن أجد ردا يطفئلهيب اشتياقي عندما اعترف لها بحبي ورغبتي في الزواج منها ووعدتها بأن أكون عونا لها في تربية ابنها، لكنهاصمتت.. أدركت حينها أن مشاعري كانت من طرفي فقط، وعندما لمحت الحزن في عيني ردت سريعا «لا تتعجل قدتجمعنا الأيام».. كان ردها باردا ولم أشعر في ثنايا حديثها بأي إحساس ولا في عينيها بلهفة.. 

جددت طلبها بتحديد موعد مع شقيقي المحامي.. ورغم الشك الذي ساورني بأن اهتمامها بي لرغبتها في حلمشكلة ابنها لكني حاولت إيهام نفسي بأن الثقة هي بداية الحب.. ثم اقترب الشك من اليقين عندما عجزت عن إيجادتفسير لرفضها أن نلتقي بعد العمل منذ أن كشفت لها عن رغبتي بأن نكمل معا مشوار الحياة.. وبعد شهور منالجفاء والفتور بيننا زف شقيقي خبرا مفرحا بتمكنه من استعادة ميراث نجل دنيا، كانت في إجازة طويلة لم تكشفعن أسبابها وكانت ترد بصوت وهن بأنها بخير لكن قلبي كان يؤكد أنها مريضة.. حاولت رفع معنوياتها بعودة حقابنها فشكرتني بكلمات معدودة وعلمت منها أنها في المستشفى طلبت منها زيارتها فرفضت.. شعرت بجرح كبيرلكبريائي بعدما أوصدت أمام قلبي كافة السبل للوصول إلى قلبها.. وعندما قرر الزملاء في العمل زيارتها للاطمئنانعلى صحتها تحججت بسفري في هذا اليوم

في اليوم التالي رأيت الحزن على وجه أقرب صديقة ل دنيا، في البداية تظاهرت بعدم الاهتمام لكن قلبي لميطاوعني على الصمت وسألتها عنها فردت وهي تبكيكانت تخفي علينا مرضها، حالتها يرثى لها ويبدو أنهاتعاني من مرض خطير.

ظننت أنها تبالغ..  دنيا لم تكن بهذا السوء لتتدهور بهذا الشكل الكبير.. عدت بذاكرتي لتجربتي المريرة معزوجتي التي افترسها المرض عندما كانت تخضع لجلسات العلاج.. انتفضت وانطلقت نحو المستشفى اقتحمتغرفتها فوجدت ابنها بجوارها.. ابتسمت وقالتكنت انتظرك لماذا تأخرت؟ اندهشت كيف تعاتبني لتأخري فيزيارتها وهي من منعتني؟ 

ثم نظرت لابنها وقبل أن يسألها أومأت له برأسها وقالتنعم هو من حدثتك عنه.. فهمت أنني المقصود بهذاالحديث لكن لم أفهم ماذا كانت تعني بعبارة «هو من حدثتك عنه»! 

عاتبتها لبعدها ورفضها أن أزورها.. تجاهلت العتاب وطالبتني بأن أعاهدها على تنفيذ وصيتها وأنها اختارتنيلأنها تحبني.. طالبتها بأن تعيد الكلمة ربما سمعتها خطأ فنطقتها بالشوق الذي كنت اتمناه عندما عرضت عليهاالزواج.. وبررت رفضها بأنها كانت تعاني من متاعب صحية ثم تطورت حتى تمكن منها المرض فخشيت أنتظلمني خصوصا أنها تعلم معاناتي في تجربة مرض زوجتي.. وكأنها استلت خنجرا لتقطع به شراييني أو صوبتسهما مسموما إلى قلبي لسوء ظني بها.. طالبتني أن أكون أبا لابنها وأن أراعيه حتى يشتد عوده.. وعدتها أن أنفذوصيتها حتى اليوم الأخير في حياتي.

ماتت «دنيا» وقررت أن أبدا دنيا جديدة لأنفذ وصيتها.. وهبت ابنها حبي وحناني وكان شابا دمث الخلق هادئا.. رجوته أن يكون رفيقا بي ويوقف دموعه التي تنهمر على وجنتيه كل ليلة لأن حبي لأمه لم يكون أقل منه.. كانتسعادته تتلخص في أن يقلب ألبوم صور جمعته بـدنيا في مراحل حياته المختلفة ويتحدث بفخر عن حبها وحنانهاويزهو بعطاءها وبسهرها الليالي بجواره وهو يعالج من الاكتئاب بعد وفاة أبيه، وتحديها لعمه الذي كان يحتميبنفوذه وماله ويرفض منحه ميراثه.. كان حديثه الباكي يثير شجوني ويدغدغ مشاعري

انصرف الأحبة وودعوا الحياة لكنهم أبدا لن يرحلوا من حنايا القلوب.. وأصبحت وابن دنيا نقضي الليالي الباردةبين دفء الصور التي تحمل بين ثناياها وفي تفاصيلها أجمل وأتعس ذكريات العمر.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.