عبدالفتاح عبدالولي
اللوحة: الفنان البولندي أندرزيج مالينوسكي
الجلد الأحمر القاني صدرية غافية على نهدين أول طلعة، أملس كحرير نسج من خيوط مسحورة، قبة السماء عالية وواسعة يستحيل معرفة مساحة فراغها الهائل. هذا التكوين البديع الذي لا نهاية له، يظلل تحته جميع الكائنات.
تحت قبة السماء تنمو أشجار تفاح كثيرة، يتوالد الأطفال في كل لحظة، عين راحة كف الطفل لها جلد ناعم كجلد التفاحة، التفاحة نائمة بين اليدين الصغيرتين الجميلتين. القلب المفعم بالفرحة والسعادة صاف كماء الينبوع.
التفاحة تقترب من الشفاه الرقيقة المرتعشة، الشفاه الوردية تنفرج بنعومة ويمتزج لونها بلون جلد التفاحة، ويصيران لونا واحدا.
اقتربت أسنان الطفل اللبنية البيضاء من الجلد الحريري، وانغرزت في بطن الكرية الحمراء، برز الجوف اللذيذ والبذرة.
قطف التفاحة عامل من بلاد بعيدة بعيدة؛ لا تصلها الشمس إلا بعد أن تكون قد ودعت بلاد الطفل؛ قطفت من شجرة تفاح خضراء تعطي زهورا بيضاء في فصل جميل.
يا زهر التفاح الأبيض
لا تذبل،
حمل أشواقي حبات التفاح،
مرها، بتقبيل شفاه الأطفال الوردية.
تنهد العامل الزراعي، وقبل أن يضع التفاحة في الصندوق بجانب رفيقاتها، لفها داخل ورقة رقيقة. لا يعرف هذا العامل ولا الطفل ولا التفاحة في أي مصنع صنعت الورقة. وضع العامل التفاحة في الصندوق، الخشب الذي صنع منه الصندوق المقوى، جلب من غابة لا يعرفها العامل ولا الطفل ولا حتى التفاحة، انتقل الصندوق من مكان إلى مكان. ركب السيارات، والقطارات، والطائرات، والبواخر، الحمير، واللاما، وظهور الحمالين وصلت التفاحة إلى يد الطفل الذي يعرف فقط إنها أتت من دكان الفواكه، أكلها بشراهة.
استلقى على التراب عند ساق شجرة تفاح وارفة، وضع رأسه على اللحاء، شبك يديه فوق وجهه، من بين فتحات أصابعه كان يرى الأوراق، والغصون الخضراء، وفروع الشجرة تسرب الضوء خيوطا نحاسية من بين الأوراق سكون فراغ.
تباعا يأتي النسيم ويلاعب الأوراق، لون السماء ما أبهاه السحب البعيدة في الأعالي تجري، والفرح يختبئ في داخل القلب الرائق.
غفى.. أزهرت الشجرة التي غرسها في عام من الأعوام الماضية، ذبلت الزهور وتساقطت كندف ثلج شمالي الجنسية، وغطت جسد الطفل الغافي أثمرت الشجرة من جديد، أخذ التفاح ينمو بسرعة مذهلة، في البدء، كفقاقيع بحجم بيض العصافير، ثم راح يكبر، ويكبر، ويصير ككرات من الشراع.
هالات من الضوء تحيط بحبات التفاح، تنضجها.. مد يده نحو الثمار تناول إحداهن، قبلها بين يديه فتلألأ لونها الذهبي، تناثرت التفاحات من على الشجرة كالرجز سقطت كل الأوراق إلى القاع، أغصان الشجرة أضحت يابسة، انتشر الضوء فوق جسد الطفل كنمل وحشي. ظل الشجرة تحول إلى الجانب الآخر، والشمس كانت قرصا ملتهبا يلسع كل ما يقع تحته.
اندهش الطفل عندما رأى الضوء يبلل قميصه ويحيل لونه إلى لون أحمر كالتفاحة، خلع القميص، نفضه، عرض ساق الشجرة لون الضوء علق بالقيمص ولم ينمح. أخذ التفاحة الذهبية ونظر إلى لونها، لون التفاحة ولون الضوء عجبا، لون الضوء ولون التفاحة متشابهان. نظر إلى قرص الشمس ثم سقط على الأرض.
– وإن قبلتك على وجنتيك الطريتين الرائعتين الممتلئتين بالشهد؟
–يحمر وجهي خجلا!
قربها من أذنه همست؛
– لا بأس قبلني.
– وإن أكلتك؟
– خذ روحي
– سأركلك كالكرة
– طفل! هذا جبن منك.. شراسة!
– سأقطعك بالسكين إلى شطرين.
– جزارون.. هواة تشطير.. أنصحك أن تبذر بذري في حديقة داركم كي أزورك في كل عام مرة، وأزور أطفالك وكل الأجيال التي ستتوالد بعدك. ولن أنسى أن أضع طاقات من زهوري على قبرك وقبور قومك إن أبقيت لي الحياة.
عمل الطفل بنصيحة التفاحة، قضى بقية عمره يروي الشجرة التي كانت تترعرع كأطفاله.
رفعت الطفلة عينيها وراحت تلاحق الفراشة الحائمة فوق الشجرة، دارت الفراشة حول الثمار، دارت الطفلة حول جذع شجرة التفاح، كان رأسها مرفوعا إلى الأعلى، و ضفائرها تسبح في الهواء، ثوب الطفلة مزركش كجناحي الفراشة، الفراشة المزركشة كسجادة شيرازية، اختفت خلف التفاحة الحمراء، انساب الضوء وبلل التفاح والفراشة وأوراق الشجرة، أنسلت نطف من الضوء فلونت وجه الطفلة، كان الجو صحوا يجعل القلب يخرج، من مكانه ويهيم في الأنحاء طروبا. وكانت الطفلة تعرف أن موسم نضوج التفاح قد دنا لأن جدها الذي فارق الحياة في العام المنصرم قد حدثها عن ذلك.