ذو الرأسين

ذو الرأسين

د. بلقيس بابو

اللوحة: الفنانة السورية رغدة سعيد

اشتد على فاطمة المخاضُ، ليس في القرية إلا قابِلَة تقليدية وحيدة، أمي كنزة، كما يناديها الجميع، حقّاً قد وُلد على يديها جيل من الصبية، لكنها تواجه اليوم مهمة عسيرة، الولادة مستعصية وفاطمة تتنفس بصعوبة، جبينها يتصبب عرقا، يبدو أن وضعية الجنين غير طبيعية. تحاول القابلة مساعدة الأم بكل ما أوتيت من قوة وتجربة، لكن دون جدوى

بدأ القلق يتسلل إلى أهل البيت، انزوى الزوج محمد في ركن حاضناً ابنيه البِكريين، أم محمد لا تتوقف عن الذهاب والإياب وسط البيت بشكل لا يزيد الأمر إلا توترا وقلقا، و تقفز من مكانها كلما سمعت صرخات فاطمة المدوية.

مرَّ الكثير من الوقت ولا شيء ينذر بقرب الولادة، خرج من الجنين رِجلاه، وبقي الرأس عالقا.. خرجت أمي كنزة إلى بهو الدار موجِّهة كلامها إلى محمد:

 يجب أخذ فاطمة الى دار الولادة

 – ما الأمر؟

 رأس الجنين عالق، لا أدري إن كان مازال على قيد الحياة

 نذهب صباحاً

وقام لينام في الغرفة المجاورة.

تنظر السيدتان إلى بعضيهما نظرة استنكارٍ، فلربما تموت فاطمة وجنينُها قبل الصباح لكنهما لا تستطيعان المجادلة، لا تملكان إلا الانتظار والدعاء.

دخلت أمي كنزة على فاطمة، وقد بدا عليها التعب الشديد، شحب وجهها والجنين عالق، لا يبدو منه إلا الطرفين السفليين وقد ازرَّقا وبدأت رائحة غريبة تفوح منهما.

بدأ الفجر يبزغ بتأنٍّ كأن عقارب الساعة أصابها الخلل، جهزوا عربة النقل التي يستعملها محمد لنقل الأغنام للسوق الأسبوعي، وضعوا سجادا قديما خلف السيارة لتنام عليه فاطمة، وغطوها ببعض الأغطية، جلست أمي كنزة إلى جانبها، وانطلقت العربة تاركة وراءها صوت بكاء الصغيرين يناديان أمَّهما.

أمامهم ثلاث ساعات على الأقل للوصول إلى دار التوليد بمركز الدائرة. فاطمة لا تبدو بخير، بدأ النزيف.

كان يوما حارا جدا، أجلس بغرفة الحراسة، لا مجال لتوَّفر مكيف ولو في الأحلام لكن الحمد لله على وجود مبَرِّد مخصص لوضع اللقاحات وعلب الأنسولين ندُّس فيه بعض قنينات الماء الصغيرة حتى تتجمد ونُمرَّرها على أيدينا ورقبتنا للتخفيف من وطأة الحرّ، بينما أنا منهمكة فيما أقوم به، تأتي الممرضة مسرعة:

 – دكتورة

 – نعم ماذا هناك؟

– وصلت للتوِّ حالة ولادة مستعصية، تقول القابلة أنها حاولت توليدها طوال الأمس السيدة في حالة يوشك أن يغمى عليها ضغطها منخفض جدّا.

ارتديت وزرتي ووضعت قفازين طبيين ثم هرولتُ نحوَ قاعة الولادة، لأجد سيدة في العشرينيات من عمرها، وقدْ لصق علفُ البهائم بثيابها، وتبدو كمن سقِمَ لشهور.

أحث الممرضة بصوتٍ عالٍ؛ لنهيِّئ الأم أولا، هيّا بسرعة

بصعوبة شديدة تمكنْتُ من الحصول على وريد، فأوردَتُها شبه منعدمة بسبب النزيف والضغط المنخفض، نحقن الأمصال والمضادات الحيوية، ونمدُّها بالأوكسجين، نحاول تعويض ما فقدتْهُ من دماء؛ قبل أن أبدأ محاولاتي لتخليصها من جثة الجنين التي بدأت تتعفن وأي تأخير لن يزيد إلا من خطورة وضع مريضتي.

 أخذت المقص لبَضْعِ الفرج، وهي عملية نقوم بها لتوسيع مخرج الجنين، عادة نقوم بها من جهة واحدة، لكن اضطررت لإجرائها من الجهتين أملاً في خروج الرأس العالق، كان الجنين في وضعية المقعَد أو الجالس، رجلاه يسبقان رأسه قبل الولادة، وهي وضعية محفوفة بالمخاطر إن لم يكن ذاك معروفا من قبل، وأكبر المشكلات أن يعلق ذقنه بعظم العانة عند الأم، فقد يضطرنا ذلك لعمل قيصرية. 

بدأ اليأس يتسلل إلى قلبي وخاصة أن وصول فاطمة للمركز متأخر جدا، وربما كان ذلك سببا في وفاة جنينها، خشيت أن أفقد فاطمة كذلك في تلك اللحظة، فطلبت من مساعدتي تجهيز سيارة الإسعاف، وإعلام سائقها لننقل فاطمة إلى المشفى الجامعي.

كان جنينها مشوها برأس ضخم، وبدا لي أنه كان ميتا قبل الولادة، فجسده الصغير متحلِّلٌ وتفوح منه رائحة العفن؛ لم يعرف أحد ذلك من قبل، فهي لم تزر قطُّ طبيبا لمتابعة حملها.

– هـيَّا؛ محاولة أخيرة قبل أن ننطلق إلى المدينة.. صرخت في مساعدتي أستحثها.. أستعين بملقط طبِّي، والممرضة تضغط على بطن الأم بينما الثانية تساعدني في جذب الصغير:

 واحد، اثنان، ثلاثة.. لقد خرج.. صرخنا جميعا صرخة فرح، لقد نجحنا

أعطيت محمد وصفة طبية ليجلب لنا من المدينة مضادا حيويا عالي الفعالية، لا يمكن توفره بمركزِ توليدٍ قروي، لم يجرؤ على مناقشتي بعدما رأى نتائج ما فعل إهماله بزوجته، فقد تركها طوال الليل متسربلة بدمائها، يتدلى منها جنين متعفن كاد يودي بحياتها.. أردفت آمرة في حزم: حبذا لو جلبت وجبة مغذية لفاطمة.

طأطأ رأسه ومضى لتنفيذ ما طُلِبَ منهُ.

بقيَتْ فاطمة بضعة أيام في المركز حتى تخلصت من مضاعفات التعفن وشدة النزيف قبل أن تعود لطفليها.

منذ ذاك اليوم وأهل القرية يلقبونني بالطبيبة التي أخرجت الطفل ذو الرأسين.


د. بلقيس بابو كاتبة مغربية، وطبيبة مختصة بأمراض القلب والشرايين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.