رحلة العمر

رحلة العمر

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان البولندي أنتوني كوزاكيوفيتش

في ليلة ليست أقل عتامة من بقية ليالي عمري، رحل زوجي العامل البسيط بعد صراع مع المرض، وقبل أن ينفرط عامي العشرين أصبحت أرملة وفي عنقي مسؤولية تربية طفل لم يبلغ العامين، وآخر يتحرك في أحشائي

لم أستطع العودة إلى بيت أبي الأكثر بؤسا والذي دفعه فقره المدقع إلى التخلص مني وكنت طفلة ابنة 16 ربيعا تداعب ضفائر لعبتها من العروس القماش، سلمني فريسة لرجل يكبرني بأكثر من 15 عاما وسط صرخات أمي الرافضة لهذه الزيجة والتي لم تصمد أمام مرض نهش جسدها وماتت في مقتبل العمر.. لم يكن العريس ثريا لإغراء أبي بإتمام «صفقة البيع» لكن إزاحتي من الحجرة الضيقة التي يكتظ بها أربعة أشقاء آخرين كان بحد ذاته تخفيفا للهم الذي يثقل كاهله

ابتعت معظم «كراكيب» الشقة المتواضعة التي أقطن بها بمبلغ زهيد عشت به حتى موعد إنجاب الطفل الثاني، ولحكمة يعلمها الله وضعت «توأم» وكان أحدهما في حالة صحية سيئة، تمنيت في هذه اللحظة أن يكون القدر رحيما بي ويختارهما الله إلى جواره لكن تعافى الطفل، وأصبحت الآن مطالبة بالبحث عن مورد رزق لإطعام هذه الأفواه الثلاثة الجائعة

ذهبت لجدة أبنائي أطالبها بميراث زوجي في بيت أبيه، فوجدتها مسلوبة الإرادة أمام جبروت ابنها الأكبر الذي طردني رافضا منح أبنائي ميراثهم، حذرته أمه من عقاب الله الشديد لأكل أموال اليتامى ظلما فركلها ثم جرجرجني وأبنائي إلى خارج البيت

استعوضت الله في حقوق أبنائي وبدأت في البحث عن عمل.. التحقت بوظيفة عاملة نظافة في مستشفى خاص لكن كانت الجنيهات القليلة لا تكفي نفقات الأولاد الثلاثة فاضطررت إلى العمل فترتين، دفعت ثمن ظروفي القاسية وملامحي الجميلة بالتعرض لسخافات ومضايقات، وحاصرتني نظرات طمع من عيون مرضى وزملاء، لكن لم يكن أمامي خيارا إلا التحمل لأعبر بالمسؤولية الملقاة على عاتقي إلى بر الأمان.

حاول أبي إسقاطي مجددا في شباك عجوز وكان في طريقه لإبرام صفقة زواج جديدة ولكن هذه المرة كان العريس ميسور الحال ويبحث عن زوجة ثانية.. كان عرض الزواج العرفي يؤكد بحث العجوز عن المتعة سرا وليس إقامة حياة مستقرة، تصديت لأبي بقوة وطالبته بأن يتركني لتربية أبنائي ووعدته بأنني لن أطلب منه أي مساعدة.

تمر الأعوام ومتطلبات أبنائي تزيد وخارت قواي من ضغوط الحياة.. ووسط دموعي وانهياري بعد رفض مدير المستشفى زيادة راتبي، فوجئت بطبيبة تعرض علي العمل في بيتها وبمقابل ضعف ما اتقاضاه، كدت أطير من السعادة وذهبت لها في اليوم التالي، استقبلتني بابتسامة منحتني هدوءا نفسيا، ثم شرحت المطلوب مني على مدار اليوم من تنظيف البيت وترتيبه وإعداد الطعام حتى موعد عودتها، زادت سعادتي لأن ما كلفتني به كان هينا ولا يقارن بما كنت أبذله من جهد في العمل السابق، لكن الهدوء والطمأنينة والراحة النفسية لم تدم طويلا بعدما أخبرتني بأن زوجها الذي يعمل في حقل الأدب والثقافة لا يذهب إلى عمله إلا في منتصف اليوم وشددت علي بضرورة تلبية طلباته سريعا لأنه حاد المزاج، شعرت بالقلق من بقائي مع رجل في بيت واحد طيلة هذه الفترة، كما أن غضبه السريع قد يصيبني بالتوتر، فكرت بالاعتذار لها لكن تراجعت لإدراكي صعوبة الحصول على عمل بهذا المقابل المجزي

اندهشت عندما رأيته للمرة الأولى، كان في منتصف الثلاثينات بينما زوجته تخطت الخمسين، كان قليل الكلام، يتناول إفطارا بسيطا وأحيانا يكتفي بفنجان من الشاي ثم يدخل غرفة مكتبه وبعد ساعة يطلب فنجان قهوة، ولا أراه إلا وهو يرتدى ملابسه وفي طريقه لعمله

في المرات القليلة التي تحدث معي فيها كانت نظراته الثاقبة تتفحصني تشير إلى أنه يعاني من حرمان، لكنه يتوارى خجلا إن لمح انتباهي له.. ودون أن يدري أحيا بهذه النظرات ما كنت نسيته منذ أعوام، كنت انتظر نوم أبنائي وانزع معظم ملابسي واتحسس جسدي وتصيبني الحسرة على أنوثتي التي أنهكتها أوجاع وآلام السنين، ومنذ هذه اللحظة بدأت اعتني بملابسي ومظهري

بعد عودة «سيدة البيت» من العمل كان زوجها أول ما تسألني عنه وهل تناول إفطاره وشرب قهوته وهل جهزت للعشاء ما أوصتني به، كانت تتحدث عنه بإعجاب وعينيها تفضح حبها له ورغم مكانتها المرموقة في عملها كنت أراها مراهقة في تصرفاتها كانت تعود بيديها الورود وتحرص على تجهيز الشموع، ورغم أنني كنت انصرف قبل غروب الشمس لكن ما رأيته من أجواء رومانسية جعلني أنسج في خيالي ملامح جميلة لليال دافئة بينها وزوجها.

مرت شهور وحظيت بثقتها وكانت سخية تعطيني طعاما لأبنائي، وعندما أشكو لها ما أعانيه بحياتي كانت تقبض بإحدى يديها على مبلغ من المال وتضعه في حقيبتي وعندما اتظاهر برفضي كانت تصر أن أقبله.. وذات يوما أخبرتني بأنها ستسافر إلى الخارج في مهمة عمل تستغرق عدة أيام وأوصتني بألا أقصر في متطلبات زوجها، وفشلت في إقناعها باحتياجي لإجازة إثر الإجهاد، كنت أحاول تفادي التواجد بمفردي مع زوجها أثناء غيابها على الرغم من أنه لم يصدر منه ما يصيبني بالقلق باستثناء اختلاسه لنظرات مريبة.

في اليوم الأول لغياب زوجته لم يذهب إلى عمله وظل في مكتبه ثم طلب تجهيز غداء، بدأ القلق يتسرب إلى نفسي وزادت نبضات قلبي اضطرابا وسرح خيالي إلى أسوأ الاحتمالات.. وتبادر إلى ذهني تساؤلات هل وراء هذا الوجه الهادئ وحش كاسر قد يفترسني؟ لكن مر اليوم بسلام واكتفى بالنظرات ذاتها.. وفي اليوم التالي بينما كنت أقدم له فنجانا من الشاي قبض على يدي بيديه، جذبني بقوة ضمني إلى صدره ثم قبلني، حاولت أن اتظاهر بالمقاومة فقد كنت أكثر من راغبة في هذه المشاعر.

انتبهت جيدا إلى أنني سأقع في الخطيئة لا محالة مع رجل يعاني من الحرمان الجنسي لفارق العمر مع زوجته، ووجد أمامه لقمة سائغة سيمضغها وقتما يشاء ثم يتقيؤها حين يريد، كما رفضت أن أسيئ للسيدة التي أكرمتني، استفقت سريعا للحفاظ على أولادي الذين صاروا في منتصف الطريق.. تركت العمل وأقسمت على عدم الخدمة في البيوت مجددا، والتحقت بوظيفة عاملة في مصنع ورغم ضعف الأجر لكن شعرت بأمان وراحة نفسية، تقدم لي عدد كبير من زملائي في العمل والجيران ومن محيط الأهل من أجل الزواج لكن أغلبهم كان يبحث عن المتعة بزواج ثان.

مرت الأعوام ولم أجد من يناسب ظروفي ويتحمل أبنائي الذين كرست حياتي لتربيتهم، كنت أهرب من المرآة حتى لا أرى التجاعيد تشق خطوطا عميقة على وجهي، وأستبدل ملابسي مغمضة العينين حتى لا أشاهد جسدي الممشوق يترهل.. وفوجئت بجدة أبنائي تطلب أن تقيم معنا بعدما طردها ابنها، ورغم أنني كنت بالكاد أدبر تكاليف أبنائي لكن الله بارك في الرزق بعد أن أقامت معنا هذه العجوز التي منحتني قبل أبنائي الدفء والعطف والحنان الذي افتقده منذ تفتحت عيناي على الحياة. 

وبعد رحلة مريرة، تخرج أبنائي الثلاثة في الجامعة وتزوج أكبرهم، بينما فضل شقيقه العمل بالخارج، ولم أحزن لموت زوجي مثلما حزنت لرحيل أمه التي وهبتني حنان الأم الذي حرمت منه، وظلت تدعو لي ولأحفادها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.. وعجزت عن وصف سعادتي وانا استقبل حفيدي الأول وبعد شهور أنار قلبي الحفيد الثاني، وكنت انتظر بشوق ولهفة يوم الجمعة من كل أسبوع عندما يزورني ابني الأكبر، أهرول لاحتضن الطفلين كأني أرى فيهما السعادة التي تعوضني تعب سنين عمري.

لكن السعادة أدارت لي ظهرها سريعا إذ لقي ابني مصرعه في حادث ليترك بقلبي جرحا لم يندمل، وبدأت في رحلة جديدة مع الألم وطالبت زوجة ابني أن تقيم وطفليها معي، وكأن «عقارب الزمن» ترجع ثلاثين عاما عندما رزقني الله بأبيهما، كنت اتوسل لله في صلاتي أن يمد في عمري لأطمئن على هذين اليتيمين وهما يعبران بحر الحياة الذي تتلاطم أمواجه.. وأينعت الرحمة التي غرستها في أبنائي فتكفل شقيقا الراحل بمصاريف الطفلين.. وكلما يخطو كل منهما عاما أحمد الله أنه أعطاني أنفاسا جديدة لأكمل معهما رحلة العمر، لم انزعج عندما تزوجت أمهما فقد كانت شابة ومطمع للجميع، وبصعوبة وافقت على توسلاتي بترك الطفلين معي ووعدتها بأن البيت سيظل مفتوحا لها في أي وقت تريد رؤيتهما، كما لم أجد في الطفلين رغبة قوية بالذهاب معها فقد تعلقا بي ومن فرط حبهما الذي سكن روحي كنت ابكي وأنا اشكر الله على هذه النعمة.

تخرج الحفيد الأول وعمل محاسبا والثاني اتجه إلى التدريس، ولم يفارقا حضني حتى بعد أن صارا أطول مني، وظلت علاقتهما جيدة بأمهما التي كانت لا تنقطع عن زيارتهما.. وفي يوم أخبرني الحفيدين بضرورة ارتداء أجمل ما عندي من ثياب لأنني على موعد في الغد مع مفاجأة، وعبثا فشلت في معرفة تفاصيها لكن الفرحة كانت تتراقص في عيونهم، ثم اصطحابني إلى حفل كبير بحضور مسؤولين، جلست لا أفهم شيئا ثم سمعت صوت أحد منظمي الحفل يطالبني بالصعود إلى المسرح لاستلام جائزة الأم المثالية.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.