وليد الزهيري
اللوحة: الفنان المصري جورج بهجوري
“ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني.. دي عينيا مجافيها النوم يا مسهرني.. أمال غلاوة حبك فين.. فين الوداد والحنية” هكذا عاتب أحمد رامي شعرًا أم كلثوم، عندما لم تسأل عنه وهو في منزله، كاتبًا آخر أعمالهما معًا (يا مسهرني).
تأنقتُ.. مثلما كان يفعل دومًا وهو في طريقه لحفلاتها الشهرية، ليستمع هو لأم كلثوم، وأستمع أنا لفرقة أم كلثوم الزائرة للكويت في ليلة من صيف يونيو، جلستُ في مجلسي بالمسرح مترحِّمًا عليه، فهو ممن فارقونا في يونيو.
مضت لحظات الانتظار ثقيلة مملة بين همهمات جماهيرها الغفيرة في الماضي والحاضر، صفَّقتُ مع المصفقين بعدما أطلت فرقة أم كلثوم على خشبة المسرح بكامل هيئتها، وانسابت الألحان تهب الحياة لسحر الماضي في وجدان الحاضر.
انبرت إحدى عضوات الفرقة محتلة صدر المسرح، دنت من الميكرفون بعودها الباسق تكسو بشرتها سمرة النيل، تدندن مع عزف مقدمة أغنيتها الموسيقية، فراشة تتمايل بفستانها الشيفون الأسود مطوقًا جيدها إطار فضي، زادها بهاءً على بهاء، تحملها ساقان في جورب أسود.
“هجرتك يمكن أنسى هواك.. وأودع قلبك القاسي” هكذا استهلَّت بأشعار رامي، استحضرتُ روحه لتتلبَّس جسدي.. جلستُ مجلسه في حضرة أم كلثوم، متكئًا برأسي على كلوة يدي مثلما كان يتكئ، متوحدًا مع الكلمة مثلما كان.
“غصبت روحي على الهجران.. وأنت هواك يجري ف دمي.. وفضلت أفكر في النسيان.. لما بقى النسيان همي” شرد ذهني، ألهذا الحد كان يسرد رامي علاقته بأم كلثوم؟ ألهذا الحد اختصَّها بمنزلة الملهمة عن الزوجة؟ ألهذا الحد خشي أن يقتل الزواج حبه لها؟ ألهذا الحد آثر أن يعيش كل معاني الحب فيها، الـصـبـابـة.. الـشـغـف.. الـتـبـاريـح.. اللوعة.. الـسـهـد.. الوله.. الـجـوى؟ وكيف تأتَّى له أن يسمع نجواه لها منها؟ وكيف تأتَّى لها أن تنتشي مرتقية عرش مجدها على وجده؟
اختتمت مطربة فرقة أم كلثوم بـ”وكان هجري عشان أنساك.. وأودع قلبك القاسي.. لقيت روحي في عز جفاك.. بأفكر فيك وأنا ناسي“.
صفقت لها بحرارة.. ودموع رامي تتساقط من عيني.