مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان الإيطالي بيترو سالتيني
جمعتْ الصغار الثلاثة من أماكن متفرقة من الدار المكونة من غرفتين: إحداهما بسقف من الجريد والأخرى تطل على السماء.. بلهجة آمرة جعلتهم بجوار بعضهم البعض، كل واحد أمامه كوب زجاجي فارغ، تركتهم ودخلت الغرفة الثانية، رفعت غطاء البرّاد المدفون حتى منتصفه في حفرة جمر القوالح، لسعتها نار الغطاء، فرمتْ به، وألقمتْ إصبعها الموجوع فمها، وبدأتْ تمصه، بين كل مصة وأختها كانت تخرجه، وتهزه في حركة بندولية. استكان الألم، فمدتْ يدها في شُّقّ الجدار، سحبتْ علبة الشاي، أخذتْ منها مقدارًا معلوما، ألقتُه في حَنَك البرّاد، وبسرعة جذبتْ ذيل جلبابها الفاقد لونه، وقبضتْ على أذن البرّاد، وانتظرتْ حتى نَضَجَ الشاي، وقبل أن يفيض السائل على سطحه الخارجي، رفعته.
نَصَبتْ طولها وتحركتْ لركن الغرفة، انحنتْ على قُفَّة مرفوعة على ثلاثة قوالب متخذة شكل المثلث، رفعتْ الغطاء، لم تجد تحته إلا قطعة واحدة من الخبز، لهج فمها بالحمد، وطلبتْ الفرج الذي هو قريب، وبقطعة حطب جافة، قَلَبَتْ الجمر المغطى بطبقة رماد، ونفخت، فأطلق الجمر لهبا بألسنة صغيرة، عليها وضعت قطعة الخبز، ورفعت البراد، ولما عزمت على النهوض، شد انتباهها قطُ يرمقها بعينين براقتين، زعقت فيه، لتصرفه، تراجع القطُ، وانكمش في ركن قريب.
خرجتْ، وضعتْ البرّاد بين ثلاثة أكواب، وصبتْ الشاي ثم قامت إلى سلك التليفزيون، فَصَلَتْ بين طرفيه العاريين، وأدخلتْ كل طرف في عين من عيني “البريزة”، صدر منه وشيش، عاجلتْ سطحه بضربة قوية، فظهرت الصورة غير واضحة، بضربة ثانية سددتها له، وضحت واستقرت لتظهر المذيعة بوجهها اللامع، تدير حوارا مع رجل يرتدي أبيض في أبيض على رأسه طرطور أبيض، بينهما منضدة، تستقر فوقها تورتة من دورين هرمية القمة.
رائحة الخبز المحترق، جعلتها تشد عينيها من فوق فخذي المذيعة، وتهرول، لتقَلَب قطعة البتاو على وجهها الثاني، وبينما تميل بجذعها لتعيد ورقة الشاي إلى مكانها في الجدار، كان القط تحت يدها، فأسقطتها على ظهره، فشب، وكاد أن يصيبها بمخالبه، جزعتْ وتمتمتْ: آه يا ملعون.. طيب.
تمرر عينيها على براح الأرض، تجد بالقرب منها فردة حذاء، تجذبها، وترمي بها القط، ليغادر الغرفة، فيمرق من الفتحة الواصلة بين الحجرتين، ويمر بين الصغار، ويأخذ في وجهه البرّاد وكوب الصغير، فيصرخ، يشدها صراخه من أمام الكانون.
تميل على الصغير، تكشف عن البلل، تجد منطقة في حجم كفة اليد محتقنة ومحمرة، ومحاطة بطوق من الجلد الغامق المحروق، بطرف جلبابها تمسح دموعه والمخاط الخارج من منخاره، وبخرقة مبلولة بالماء البارد بعد عصرها جيدا تُسكت صرخات الألم المتسربة من منطقة ملتهبة بحجم كفة اليد.
ولتهدئته، أخذتْ من كوبي البنتين نصيبا معلومًا، ما أخذته كان كافيا لإعادة كوب الصبي إلى ما كان عليه.
تتذكر قطعة البتاو التي راحت تسرب رائحة الخبز المحروق بشدة، فتدخل الغرفة، ترفع قطعة الخبز، تجد سطحها قد تفحم تماماً، ترمي بها وتخرج.