فقراء يأكلون الحصرم

فقراء يأكلون الحصرم

اللوحة: الفنان العراقي جاسم الفضل

تعالت الأصوات أمام البيت ذي الطابقين، المحشور في زاوية الحارة الضيقة، الشرطة تنتشر في كل مكان، مجموعة من الرجال يلبسون لباسا مدنيا، يقتادون امرأة ثلاثينية مكبلة في القيود، يدفعونها بقسوة داخل عربة الشرطة المصفحة، ويشعلون “سارينتها” المحذرة، فاصطف الناس على الجانبين ليسمحوا لها بالمرور، ثم تسربوا كل إلى هدفه وهم يحوقلون وينفضون أكفهم عجبا.

في زنزانة الحجز جلست تنتظر العرض على المحقق، كانت ذاهلة عن كل شيء حولها، مناوشات النسوة المحجوزات معها وأسئلتهن لم تجد سبيلا للإجابة، تنظر إليهن بعينين دامعتين زائغتين، ثم تغيب عن الحاضر وكأنها في عالم آخر، انتفضت على صوت الشاويش ينادي باسمها، قامت تحمل ذهولها تتلفت يمنة ويسرة كمن يريد أن يستغيث، يقتادها الشاويش إلى غرفة التحقيق، وهو تارة يلكزها، وتارة يسبها بأفظع السباب.

 جلست صباح أمام المحقق، وكأنها عادت لتوها من متاهة الزمن لتحط على بركان الهول، انحدرت دموعها ساحبة خيوط الكحل الأسود ليلطخ وجهها كلوحة سريالية، رسمتها الأحداث بأنامل بارعة؛ فلم تترك مساحة تلعب فيها بالضوء والظل إلا فعلت، حتى تبدو للرائي في أبأس ما تكون الوجوه. 

أخذ المحقق يطالع الأورق في ملف أمامه، وخيم على المكان صمت كئيب يقطعه بين لحظة وأخرى صوت تقلب الورقات بين يدي المحقق، أما الرجل الذي يجلس على يساره، فقد انهمك في تجهيز دفتر كبير موجود على طاولة صغيرة مربوط برجلها الحديدية خيط سميك في نهايته قلم يضعه الرجل بعناية في مكان خاص به فوق الطاولة.

بدأ الخوف يتسلق روح صباح التي أيقنت أنها وقعت في أيد لن ترحمها، أجالت بصرها يمينا ويسارا لا تدري ماذا تفعل، أفضل الأمور التزام الصمت، وإذا وجهت لها تهمة عليها بالإنكار حتى تكسب مزيدا من الوقت للتدبر، وربما أتاها الفرج، هكذا حدثتها نفسها، المسكينة! ومن يا

ترى سيخف لنجدتها؟ أهلها الفقراء؟ أم زوجها الملعون؟

عدل الضابط من جلسته، وأمر الكاتب أن يكتب كل ما تقول، ثم سألها: اسمك وسنك وعنوانك.

قالت بصوت متحشرج: اسمي صباح، وسني وعنواني موجودين في بطاقتي يا سعادة البيه.

قال بحزم: لما اسألك سؤال تجاوبي عليه.

  • حاضر.. أجابت وهي تمسح ما تساقط من أنفها في طرف كمها.
  • الطفل اللي وجدوه ميت عندك.. تعرفيه؟
  • ده ابن جوزي يا سعادة البيه، أبوه مسافر بقاله شهر، وسايبه معايا.
  • عندك أولاد؟
  • طأطأت رأسها قائلة: لا يابيه، ربنا ما رزقنيش.
  • وإيه قصة الولد، ومات ازاي؟
  • الولد أمه رمته لأبوه بعد ما اتجوزنا، وراحت اتجوزت، والواد شقي وعفريت، لما سافر أبوه أخدته عند أهلي نقعد هناك لحد ما يرجع، سلم البيت مكسر يابيه، والواد ما بيبطلش تنطيط وجري، سهيت عنه يابيه شوية وقع أخد السلم كله كر لحد الشارع، شلته وجريت بيه ع المستوصف، الدكتور قال إن مخه اتأثر بالوقعة، ومن بعدها الواد مبقاش يتحكم في الحمام. 
  • كملي..
  • تعبت يابيه من كتر ما بمشي انضف وراه، وانا ذنبي ايه بس ابتلي بيه وأمه موجودة.
  • احكيلي مات ازاي؟
  • امبارح كان موسخ كل هدومه، اتعصبت وجريته من إيده على الحمام وكانت الأرض مبلولة، اتزحلق وقع على راسه، وبعدها معرفش إيه جرى، اتحولت عنيه وبدأ يرجع ومرة واحدة محطش منطق.
  • والحروق اللي لقوها ف جسمه دي سببها إيه؟
  • معرفش يابيه، وأنا ح احرق عيل صغير ليه؟
  • وراسه المضروبة من ورا بالحديدة يابت.. برضه ما تعرفيش عنها حاجة؟
  • يابيه والمصحف ما اعرف، وانا حاقتله يعني واتبلي بيه ليه، مش الشرطة جت ولقت الناس ملمومة على صواتي وانا باستنجد بيهم يلحقوا الواد؟ يابيه دانا غلبانة.

اتجه المحقق للكاتب معقبا: وأنكرت المتهمة معرفتها بسبب الحروق المتعددة في جسم الطفل القتيل.

استمر التحقيق ساعات، والمحقق يحاورها، وهي تنكر، لكن إنكارها لن يفيد، فقد جاء تقرير الطبيب الشرعي ليؤكد تعرض الطفل لتعـذيب شديد على مدار عشرة أيام، وهي الفترة نفسها التي كان فيها بصحبة زوجة أبيه عند أهلها، وتبين بالتحقيق أنها قامت بحرق جسد الطفل بالنار أكثر من مرة حيث تعرض لحروق بليغة في مؤخرته وظهره ويديه، وأن سبب الوفاة تلقيه ضربة قوية على رأسه بآلة حديدية أدت إلى نزيف داخلي توفي الطفل على إثره.

وبمواجهة المتهمة، اعترفت أنها فعلت ذلك لتنتقم من والده، الذي عرفت أنه لم يكن مسافرا للعمل، إنما ليتزوج من امرأة أخرى، واتهمته بتعذيبها وإذلالها، وإجبارها على البغاء مقابل المال، لكن كل تلك الاتهامات لم تؤخذ بالاعتبار لانتفاء الأدلة.

حكم على صباح بالمؤبد، للقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وانتهك الإعلام سيرتها وخبايا عائلتها، وأصبحت وجها مشهورا على وسائله، مرتبطا ذكره بأبشع جرائم الموسم، لكنه لم يتطرق أبدا وهو يعري سيرتها، أن يعري جسدها ليرى أبشع خارطة تعذيب رسمت على جسد امرأة بيد زوج سادي، ولم يفتشوا أبدا في دفاتر مستشفى الحي عن ملفها الذي يثبت تعرضها لجراحة استئصال الرحم بناء على إقرار منها تم توقيعه بتواطؤ من طبيب فاسد، وبتهديد خفي من الزوج، المنعم الآن بين أحضان فريسته الجديدة.

انتقلت صباح إلى سجن النساء، لم تكن واثقة أن يلتف حبل الجريمة ويحكم وثاقه حول ما تبقى من سني شبابها، ربما تخيلت أنها ستخرج بالبراءة، أو بحكم مخفف يمكنها بعده مواصلة الحياة، لكن أي حياة تلك التي تنتظرها بعد السجن؟ أي حياة ستؤهل لها في بيئة التهمها الفقر، وبات الناس يقتاتون على جثث بعضهم؟

كلما تخيلت أنه لا فرار لها من النار إلا بإلقاء نفسها في أحضان الجحيم ازدادت كآبتها وعزلتها، حاولت الانتحار أكثر من مرة؛ فكان الحبس الانفرادي جزاءها، لكنها لم تيأس، وكلما أمضت وقتا أطول في حبسها المنفرد، كلما اقتربت من اليقين ألا جدوى من الحياة.

بعد انتهاء مدة حبسها الأخيرة في حبسها الانفرادي، وجدوها مكومة في أخر الزنزانة، مسربلة في دمائها إثر جرح في الجمجمة سببته لنفسها متعمدة، لم تعد بعدها صباح طبيعية، اختلت تصرفاتها، فهي هادئة وديعة طالما ابتعدت السجينات عن الاحتكاك بها، بينما تتحول لنمرة شرسة إذا رمقتها إحداهن حتى بنظرة.

لما تطورت حالتها وصارت تثير بصراخها الليلي قاطني السجن، قرروا نقلها لمشفى الأمراض العقلية بعد عرضها على الطبيب المختص.

أمضت في منفاها الجديد خمس سنوات لم تقل تعذيبا فيها عن غيرها، فعلاجات المرضى التي كانت تخضع لها زادتها هِرِمًا، وأضعفت بنيتها، وفي مساء يوم بارد، وجدت متكورة على نفسها كالجنين على أرضية الغرفة وقد فارقت الحياة.

في صباح اليوم التالي، حققت الصحف التي وضعت صورتها تحت عنوان “موت قاتلة الأطفال.. قصاص الله العادل” أعلى المبيعات.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.