ليلة العيد

ليلة العيد

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان السويدي بينجت نوردنبرج

مرت ليلة طويلة عصيبة منتظرا بزوغ الخيوط الأولى من الصباح، هرولت سريعا إلى عملي والقلق يسيطر على خشية ألا يفي صاحب المصنع الذي أعمل به بوعده ويوافق على طلبي بمنحي سلفة مالية.. لم يتبق إلا ساعات ويحل العيد ولم اشتر الملابس التي اختارها نجلي الوحيد.. أخبرتني زوجتي بأنها أقنعته بصعوبة بأن ينتظر إلى اليوم التالي، ولم أجد ردا عندما قالت إنه ظل يبكي بحرقة فقد كان يريد أن يطمئن بوجودها على سريره.

كان «شادي» أجمل فرحة بحياتي فقد رزقني به الله بعد سبعة أعوام من الصبر فقدت خلالها الأمل في أن يكون لي طفل، ومنذ صرخته الأولى كان يدهمني شعورا لم أجد له تفسيرا بأن فرحتي لن تدوم وبأنني سأفقد فلذة كبدي، تحول خوفي عليه إلى ما يشبه المرض وكنت أرى نظرات الاستغراب في عيون كل من حولي، لكن من يعلم المحنة التي تعرضت لها خلال عدة أعوام كان يلتمس لي العذر.

وصلت إلى غرفة الحسابات فلم أجد إلا عامل النظافة الذي سألني عن سبب حضوري باكرا، فلم أجب وانتظرت خارج الغرفة شاردا في انتظار وصول الموظف، مرت ساعة ولم يحضر، ثم انصرفت إلى عملي وبعصبية طلبت من عامل النظافة بأن يخبرني في حال وصول موظف الحسابات، لم انتظر إلا دقائق فقد كان القلق يجتاحني وعدت سريعا فوجدت الموظف وصل لتوه، لم أمهله حتى يلتقط أنفاسه وباغته بسؤال عن «السلفة» فأجاب بأنها موجودة.. هدأ قلبي الذي كاد يتوقف من الخوف بألا أحقق أمنية نجلي.. 

حصلت على «السلفة» وعدت سريعا إلى العمل وبداخلي طاقة كامنة لإنجاز ما كلفني به مديري الذي لاحظ تشتت ذهني خلال الفترة الماضية، لكني في الوقت ذاته كنت اتمنى مرور الوقت لأطير إلى ابني حاملا الملابس التي ينتظرها.. كما كنت انتوي شراء هدية لزوجتي الصابرة على ظروفي الصعبة منذ أعوام، والذهاب كعادتي في هذه المناسبة السعيدة لشقيقتي الوحيدة بعلبة الكعك

كان «عم محمد» أقرب صديق إلى قلبي رغم فارق السن بيننا.. في هذا اليوم لم يداعبني كعادته.. كان خفيف الظل وبنوادر مواقفه يخفف الكثير من آلامي، ويسدي لي النصائح عندما تهزمني الهموم.. خبراته الكبيرة في الحياة بمثابة معين لا ينضب من الحكمة.. كنت ألجأ إليه في المحن والشدائد فأجد حلا عاجلا يطمئن له قلبي.. ولا يتركني أذهب إلا بعد أن يتأكد من زوال الغمة وبأنني أصبحت بخير

ذهبت إليه لاستفسر عن سبب صمته وغياب ضحكته التي تهون علينا أوجاع الحياة.. فإذا بهذا الجبل الشامخ يتهاوى في لحظة ويحتضنني بقوة ثم يبكي بحرقة.. انهياره أصابني بهلع وخوف عليه لأنه يعاني من متاعب في القلب.. وعلى الرغم من إلحاحي الشديد عليه لأعرف سبب هذه الحالة التي لم اعتاد أن أراه عليها رفض الحديث وطلب مني أن أساعده للانصراف من العمل.. تدخل المدير وطلب من سائق بالمصنع توصيل «عم محمد» إلى بيته وأعطاه راحة..

لم انتظر انتهاء وقت العمل واستأذنت من «رئيس الوردية» للانصراف لكنه هددني بخصم قيمة اليوم من راتبي لحاجة المصنع للانتهاء من عدد من الطلبيات قبل أجازة العيد.. وبعد شد وجذب انصرفت غير عابئ بقيمة الخصم.. وذهبت إلى بيت «عم محمد» للاطمئنان عليه وبعد ضغط كبير عليه كشف عن أن سبب حزنه قدوم العيد في منتصف الشهر ورفض صاحب المصنع منحة «سلفة» جديدة لعدم سداده سلفة قديمة.. وأنه كان يتمنى الموت ولا تأتي اللحظة التي لا يستطيع فيها شراء ملابس جديدة لأبنائه وظل يردد بصوت يخنقه الوجع « ليس لهم ذنب في هذه الظروف.. وكيف اتخيل حزنهم وانكسارهم بين أقاربهم وجيرانهم..» 

قبلت رأسه وانصرفت باكيا والحزن يعتصر قلبي على هذا الرجل الذي يثقل اليأس كاهليه، لكني استفقت على موعدي مع نجلي لشراء ملابس العيد.. هرولت إلى البيت وأخبرت زوجتي بأنني حصلت على «السلفة» وبأننا سنخرج في المساء لشراء ما تحتاجه هي وشادي.. لاحظت احمرار عيني من البكاء.. تأثرت بما رويته لها عما أصاب «عم محمد» ولم اصدق موافقتها على رغبة تلح بقوة على قلبي وعقلي.. قالت بطيب خاطر «أذهب وأعطي مبلغ السلفة لعم محمد «.. صَمَتَ لَحْظَةً ثم باغتها بسؤال « كيف أجبر خواطر أبناء عم محمد وأكسر قلب ابني» كنت انتظر منها إجابة تمنحني ضوء من نور أعبر بها نفق تأنيب الضمير الذي سيطاردني وأنا أجد فلذة كبدي حزينا.. لم تخيب ظني وقالت: شادي لا يزال صغيرا واستطيع أن اتذرع له بأي مبرر، ويمكن إلهائه بالتنزه في حديقة أو شراء الحلوى، بينما أبناء «عم محمد» في مراحل دراسية ويدركون جيدا أهمية المناسبة وقد يصابوا بحرج بالغ بين أقرانهم وأقاربهم.. لا تتردد في فعل الخير قد تكون سببا في إسعادة عائلة بأكلمها..

انتفضت وذهبت لبيت «عم محمد» الذي تعجب لعودتي مرة أخرى.. رسمت السعادة على وجهي ومنحته ظرفا ووضعت به قيمة «السلفة» واقنعته بأنني وزملائه انتزعنا بصعوبة موافقة صاحب المصنع على منحة مبلغ وسيخصم من راتبه.. احتضنني وودعني بدموع الفرحة.. في طريق عودتي كاد قلبي ينفطر من الألم على ابني شادي الذي سيبات ليلة العيد حزينا ولم يحقق أمنيته.. فشلت في تجهيز إجابة مقنعة لسؤال «قرة عيني» المتوقع عن عدم إحضار ما طلبه مني.

فتحت الباب بيد مرتعشة وحدث ما توقعته فقد كان شادي بانتظاري.. لكن رأيت الفرحة تتراقص في عينيه.. ثم قبلني وشكرني على شراء ملابس العيد.. لم أفهم ما يحدث لكن زوجتي أشارت إلى بدخول غرفتنا.. سألتني في البداية عن «عم محمد» فأخبرتها بأنني لم اتركه إلا وهو في قمة سعادته.. رفعت كفيها للسماء وشكرت الخالق.. سألتها بغضب: كيف دبرتي مبلغ ملابس شادي؟.. أجابت بهدوء: لا تقلق كنت احتفظ بقطعة ذهب صغيرة لأي ظرف طارئ، وحصلت من ثمن بيعها على مبلغ جيد اشتريت ملابس شادي وما نحتاجه في العيد، ثق أن من نعم الله عليك أن يجعلك سببا للخير وفك الكرب.. احتضنتها وقبلتها وقلت لها: أشكرك على نبل المشاعر وسمو الأخلاق، وهذا الدرس الرائع في حب الخير.. سأظل فخورا بك فيما تبقى من عمري.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.