بهذا القدر من الذكاء.. ستصير وكيلة وزارة أو وزيرة

بهذا القدر من الذكاء.. ستصير وكيلة وزارة أو وزيرة

دانييل لفانتى بال

ترجمة: محمد سعد صالح – عبدالله عبدالعاطي النجار 

اللوحة: الفنان الفرنسي بيير رينوار 

إلى أبعد قليلا جدا، أمام مدخل محل عائلي صغير، كانت تهز أم غجرية شابة طفلتها التي تبدو في الثالثة من عمرها، ذات الشعر الأجعد، في عربة أطفال رياضية. كانتا تنتظران من يتسوق في الداخل، وتجمع حولهما أناس بأعمار ونوايا ومصائر مختلفة اعتادوا على ذلك في مثل ذلك الموعد.

وسط محادثاتهم الصاخبة وشكاواهم الجماعية قالت الطفلة الصغيرة سائلة:

– أمي، ماذا كُتِب هناك؟

– أجابتها أمها: أظنك تستطيعين قراءته.

بدأت الفتاة الصغيرة في تهجي الأحرف التي:

– مـ… ف… تـ… مـفـتـ… و… ح… و…ح… مـفـتـوح؟

ارتسمت ابتسامة على ثغر الأم في فخر، وتلمست بيدها الخالية خصلات الطفلة الجعداء.

– نعم.

عندما سمعت ذلك عجوز غجرية – من ذلك النوع من السيدات اللواتي يرتدين تنورة، ويتدخلن في كل شيء، ويلعنَّ بصوت مرتفع، ويباركن بصوت منخفض – لم تتحمل عدم التدخل.

– سألت العجوز: قرأته؟ هذه الطفلة الصغيرة استطاعت قراءة المكتوب هناك؟

– ردت الأم بأدب وقد لمع في طرف عينها بريق خافت: نعم، تعلمت القراءة بسرعة… كان ذلك يسيرا عليها.

– واصلت العجوز أسئلتها: كم عمرها؟.

التفت الكثيرون بفضول – يعلو وجوههم احمرار الاهتمام الفجري في الليل المظلم لأرواحهم المتعبة – ليروا ماذا يحدث. توقف الكلام في حناجرهم، والأمبولات في أياديهم. لم ترتبك الأم من الصمت السائد حولها:

– ثلاث سنوات فقط.

صفَّر رجل معبرا عن سعادته بالطفلة. وحاول آخر أن يصدر صوت فرقعة بفرك إبهامه بالوسطى، لكنه فشل، فحاول مرة أخرى، لكنه فشل مجددا. جعل يحملق في يده، متعجبا: ماذا جرى؟ ماذا فسد؟ ما الذي لا يعمل؟. ثم أدخل يده في جيبه كأن شيئا لم يكن.

لم تتوقف العجوز عند هذا القدر من الأسئلة، وقالت:

– بهذا القدر من الذكاء، ستصير وكيلة وزارة أو وزيرة!

وافقها الآخرون الرأي مومئين برؤوسهم.

خارج نطاق الدائرة المحيطة بالطفلة، على بعد خطوات قليلة، بصقت امرأة بذيئة هزيلة، ذات نظرات متعبة، لم يسمعها سواي:

– أو ساحرة شريرة… إن لم يعتن الإله بها.


القصة من كتاب “الحي الثامن – بودابست” لدانييل لفانتى بال المتوقع نشره في منتصف 2021.


دانييل لفانتى بال

دانييل لفانتى بال “Pál Dániel Levente”: كاتب وشاعر ومؤلف مسرحي مجري شهير، ترجمت أعماله إلى عدة لغات أجنبية من بينها العربية، منها ديوان “لم نعش سدى” الذي صدر في القاهرة العام الحالي. 

د. عبدالله عبدالعاطي النجار

د. عبدالله عبدالعاطي النجار: مؤرخ ومترجم وباحث مصري. له أكثر من 30 كتاباً مترجما، و14 كتاباً من تأليفه، إضافة إلى أكثر من 40 بحثاً بالعربية والإنجليزية والمجرية منشوراً في دوريات محكمة. 

أ. محمد سعد صالح: مترجم مصري تخرج في كلية الألسن بالقاهرة قسم اللغة الألمانية والمجرية. كما درس بجامعة إتفوش لوراند الشهيرة بالمجر. لدية بضعة كتب مترجمة صدرت بمصر. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.