ريما إبراهيم حمود
لوحة على أجنحة فراشة للفنان المكسيكى كريستيم راموس
حار هذا الصيف، الحشائش الجافة تطقطق تحت أقدام أي عابر، الظلال قصيرة تنكمش تحت الأشياء، والنسمة الباردة التي ننتظرها تأتي خجولة وهادئة، لترد إلى الهاربين من حرّ الدور شيئا من الروح، على كفي الأيسر تقف فراشة سوداء، سوداء بملمس كالمخمل بخط أزرق رفيع يخترق منتصف أجنحتها، أتأملها محاولة ألا أجفلها، أكره كل الحشرات ولكنها كانت جميلة جدا، هادئة، رقيقة، تطير فوقي قليلا، تحطّ على كتفي، أحرك رأسي، فتهرب تعود بعد قليل، تقف مرة أخرى على كتفي الآخر، تستقر، تهب نسمة تحملها، تستقر على كتف آخر.
تلك الليلة، زارتني ستي في الحلم لأول مرة، لم تكن جدتاي تحبان البنات، جدتي لأبي رزقت بستة صبيان وبنت وحيدة رحلت قبلها بكثير ولكن لها من الحفيدات ما نغصّ عليها سعادتها، فلم أرها تمسح على رأس بنت منا، أو تحكي حكاية كما كانت الجدات تفعل في مسلسلات الكرتون القديمة، ولا تمشط لأي بنت شعرها، كانت تقبل الأولاد وتحتضنهم دائما، وتهمل البنات، ولكنها تخلت عن صرامتها تجاه البنات مع أختي لأول مرة.
أمّا جدتي لأمي رزقت بعشر بنات، وبحفيدات أكثر، ولم ترزق بحفيد من ابنيها، تعدنا بحسرة، كانت تنزعج كثيرا من تجمعنا الصاخب، وسهرنا حتى الفجر في حوش البيت، ولم تتصالح مع هذا العدد من البنات إلا بعد مرضها بسنين وقبل رحيلها بقليل .
قالت ستي: هذه ساعة جديدة خذيها، أعطتني علبة خشبية.
لبست الساعة الذهبية، وهربت من الحلم سريعا، أيقظت نفسي كما أفعل كلما شعرت أنني محاصرة في حلم ما.
قلت لبنات عمي، ستي أعطتني ساعة ذهبية.
صفقت إحداهن فرحا: سترزقين ببنت جميلة قريبا.
لم أر الرابط الذي قد يجعل هذه الساعة بنتا في يوم ما. ولم أرزق ببنت حتى الآن.
ربما لم أشعر بحزن كاف لأعبر عن تقديري لرحيلهن، ستي التي تكره البنات، وستي التي تطبخ أطيب طعام في فلسطين والأردن والكرة الأرضية كما أعتقد.
لثلاثة أيام صيفية ظلت فراشة سوداء تحوم حولي كلما جلست في الشرفة الغربية المطلة على التلال الذهبية التي تشقها شوارع قليلة وتنتثر فوقها البيوت.
أغمض عيني أحيانا لأتخيلهما هنا، عاجزة تماما عن تخيل أحد جديّ اللذين لا يعرفهما أحد منا ولا يتذكرهما والديّ، أحاول أن أقنع نفسي أن ستي لطيفة جدا، فأتذكر ثوبها الناصع البياض، حزامها الأحمر، وشال رأسها الشفاف الذي تطل من تحته خصلات شعرها الأبيض، خاتمها الذهبي في كفها الجميل الذي تبرز عروقها الزرقاء فيه.
أتذكر مطبق الزعتر الأخضر الذي تصنعه ستي الأخرى، الطبق الكبير الذي تخبئ فيه حصتي من الفطائر وكبة الرز كلما عرفت أنني سأزور أهلي ذلك اليوم، كانت تعبر عن حبها للجميع بتغذيتهم، وعن تقديرها للنسائب والأقارب بولائمها التي ينتظرها كل فرد في العائلة، عاجزة تماما عن إبداء الحب والحنان بطرق الجدات الأخريات، لها ابتسامة فريدة يطل منها سن ذهبي، أتذكر نكهة الميرمية- التي أكرهها جدا – في الشاي المفضل لديها، الليرة الذهبية التي تتوسط صدرها في الأعراس، وأساورها التي تخشخش في ذراعها، سؤالها لي كلما رأتني في أواخر أيامها: أنت بنت مين؟ وين ولادك؟
أفتح عيني صباحا، تطل من وراء النافذة التي لا أطيق أن أرى ستارة تحجبها سروة عالية جدا، تحتلها العصافير التي تبدأ كل صباح حفلة تغريد كبيرة تقطع عليّ نومي، وراءها التلة الغربية، الوادي، الخلاء الذي لا يقطعه سطح بيت قريب، وفراشة سوداء تقف على الشبك الدقيق تغرز أرجلها فيه، أجلس في السرير مقابل النافذة، أراقب الفراشة تحاول تخليص نفسها، تهتز أجنحتها بفعل الريح الغربية التي لا تهدأ طوال السنة تقريبا مهما تبدلت الفصول، تبدو ضعيفة، يقفز قلبي كلما تحركت، أعرف أنني عاجزة عن إنقاذها وهي وراء الشبك، تشتد الريح قليلا، تفلت الفراشة من سجنها، ترفعها الريح للأعلى، تسحبها بعيدا، أراقبها تهوي إلى الأرض، قبل أن تصلها تستعيد خفق أجنحتها، ترف بها ثم تحط قريبا من ألواح الصبار.
تكثر الفراشات السوداء في ذلك الصيف، يراقبها عمي بقلق، يحاول أحد أحفاده اصطياد واحدة، ينهره، تحط واحدة على كتفي، أهشها، تقف أخرى على قدمه، يتركها طويلا ولا يتحرك، يراها تطير بعيدا، يحاول صغير أن يضرب واحدة، يصرخ به: اتركها.
تهمس بنت عمي: يقول أبي إن الفراشات السوداء أرواح أمواتنا تزورنا ويمنعنا من أذيتها.
تعلق هذه الكلمات في رأسي إلى الآن، أي روح زارتني؟ وأيّها سيزورني؟
لروح عمّي الرحمة ما زلت لا أستطيع تخيل اربد بدونه.