عن الحب.. أتكلم

عن الحب.. أتكلم

نبيلة غنيم

اللوحة: الفنان السوري سعد يكن

للحب وجه اخر



غموضه يجذبها تراقبه من بعيد، تتعجب من أمره فهو دوما الصامت.. العابث.. يزم شفتيه على ابتسامة حبسها وأقسم عليها بعدم الظهور. تدور مقلتيه في محجريهما ليتأملا كل شاردة وواردة في الحياة.. يحلل كل همسة، كل حركة، كل ما يحدث من أمور البشر، يترجم كل ما يرصده شعرا.
يسأله الشعر: أين البهجة؟ أين أغاريد الحروف على موسيقاي؟ 
في لحظة سكون هبطت أمامه، رآها حواءه  التي سكنت أحلامه، قبضت جميع قسماته المتحجرة بلمسة من يدها كساحرة طيبة، فصار العبوس ابتسامة والصمت حديث عذب، شعر بشيء غريب يعبث بوجدانه، فهو لم يعرف قبلها نبض القلوب، لم يشعر أنه يمتلك قلبا إلا عندما قفزت فتاته داخل قفصه الصدري، تلبست روحه كعصفور رقيق استحسنه، فرح بوجودها في مساحته، أراد أن يغلق أبواب قفصه عليها، صار يحاوطها من كل جانب، يراقب خطواتها، يعد أنفاسها، يسأل عنها كل من يعرفها، يكتب إليها مئات الصفحات المحملة بعشقه وولهه ولا ينسى أبدا أن يكلل كل صفحة بالعتاب المضني، يرجوها أن تكون له وحده بكيفيته، بأن تغلق كل نوافذها وتعيش في ظلمته وسكونه، بلا حركة، بلا فكر، بلا صوت، فهو يراها مكافأة الحياة له، تمثاله الجميل الذي لابد وأن يقتنيه بلا إرادة، وما على التمثال إلا أن يخضع للتشكيل والتزيين، فالتماثيل بلا إرادة!
هاله أن رأى التمثال يتحرك بإرادة واعية.
جن جنونه، راح يصنع من تفاصيل التفاصيل حبلا من الشك والغيرة شنق به عنق تمثاله، ظناً منه أنه يحافظ عليه، تشقق التمثال كأرض عطشى.. انفصل عن مقتنيه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
لم يتحمل الانفصال، نادى عليها معترفاً بإنسانيتها وكيانها المُعتبر.
لم تسمعه.
مات قلبه حزنا دون أن يعرف أن للحب وجه صبوح.

نداء خفي

تعتبر حجرتها التي نادراً ما تغادرها معقلاً للتعذيب، تتوارى خلف آلامها، تخطف من سنواتها الهاربة لحظات تعيش عليها، تجترها، تتكلّس أحلامها وتنحسر عن التحقيق، تفيض بحبر خيبتها لتُنَفِس عن روحها الهائمة ما يعتمل بها ويعتريها، على أوراقها تستيقظ جثث أحلامها الهامدة، تكتب عن ذلك الرجل الناحل الدميم الذى عاشت معه عمراً لم تستطع وصفه، غير أنه هادئ كهدوء هِرة سيامية مثيرة للعطف، ينظر إليها دائما بانبهار، تزداد معه ثقتها بنفسها، وفي نفس الوقت ترى شخصيته الثابتة تتقزم في عينيها، تتسلل قدم الاحتقار إلى نفسها، فلم تعد ترى فيه ما يُغري طموحها.

يقودها الاجترار إلى زمن التحليق في سماوات الحب والأحلام، يستدعي قلمها الشخص الوحيد الذي مازالت هيئته مطبوعة في عقلها، محفورة في قلبها رغم مرور ما يقرب من ربع قرن، يشخص في رأسها بكامل وسامته، بقامته الممشوقة الهيفاء وروحه المتوهجة وثورته الدائمة التي تضج بالحياة!

تلعن خضوعها لأوامر والدها الصارم، يوم أمرها بأن تدوس قلبها وتلغي عقلها، باعتبار أنه الوحيد الذي يفكر وهو الذي يقرر ويُصدر الفرمانات، قراراته لا تقبل المناقشة.

تكتب: كان “فارس” يأتي ببشاشة العالم، يتقوس في ودٍ حين يقترب منى، ينشيني عطره، يحدثني بصوت عذب يحمل فخامة الرجولة وكلمات مفعمة بالنباهة والقوة، تحسبه سليل الملوك والأباطرة، كنت أشعر معه بأنني إمبراطورة، نبيلة من نبلاء عصري، فأنا طفلة الشتاء، أحب الدفء القوي، أغوص في عمقه ليغمرني، ألقي بنفسي بين مجالات الخيال اللانهائية، واقعي دائما، يُدمى قلبي حين أفكر فيه.

أسمع صوت ذلك الذي أعيش معه وهو يثرثر مع صديقه بالهاتف في اللامعنى، تمنيت أن تكون أذنيّ كعينيّ أستطيع إغلاقهما وقتما أريد، فقد مللت تلك الرتابة التي سيطرت على واقعي، ففي بقائي معه استهلاك لروحي.

صوتٌ بعقلي يسألني.. يناديني: يا أنتِ، متى تلتئم انشطارات نفسك؟!

أنهض، ألبي النداء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.