مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان المصري عبد الهادي الجزار
يتحرك، رغم العتمة الجاثمة في البيت، كأنه يتلمس طريقه بواسطة سراج معلق، ويفكر.. الليلة خانقة من شدة الحرارة هذا يبشر بليلة مقلقة.
يخلع الجلباب، يكوره، ويميل، ليضعه في المشنة الخاوية، ومن جوارها يلتقط الفتيل المغموس في الشحم، وكذلك الحجرين، يضربهما ببعض، ويقرب الفتيل، فيشتعل، يخيل إليه أن الجدران الطينية، تتحرك لتطبق عليه، يريح ظهره إلى الجدار، ويسحب الجراب الذي كان في يده، وينصت إلى الفحيح المختلط بصوت الجنادب والنباح لكلاب هربت من البيوت سكنت الخلاء، ويقول:
– يكفيني أنهم حولي يأخذون بصوتي، وأنا هنا.
يتفقد الحجرة التي يعرف أنها لمت جسده كثيراً، وجعلته يعيش بين أربعة جدران، تحافظ على خصوصيته بديلاً عن النوم في الخلاء، وفيها ضم جسد زوجته، وفيها انطلق صراخ أولاده.
يمدد جسده، فتبدو له السماء صافية من فرجات السقف المجدول من البوص والجريد، فينعكس ضوء القمر على وجهه الستيني المبرقش بآثار جدري قديم والناضح منه شقاء ممتد.
النظرات المتطلعة تنطوي على تركيز وإعمال الفكر، تدلل عليها ابتسامة ساخرة، يطلقها فمه، وكلمات بدأت تمشي على لسانه: اصنع رغبتك في العلن.
ينتفض لشعوره بوطأة الحر، فيقوم من رقدته هرباً من فكر بدأ يتربص به.
***
يخرج الزمارة، يتفحص مكوناتها المتناثرة في الجراب، يتفقد كل قطعة على حدة، يقول لنفسه ” زمار الحي ما عاد يطربهم “.
يعيدها إلى جرابها، يغادر مكانه، يلقي نظرة على براح الأرض المحروقة، يري السواد الجاثم على أديمها، فينقبض قلبه، ويعود إلى الجراب، يمد يده فيه، يشعر كأنه يعبر حاجزاً مائياً، تغيب يده، الحاجز يتضخم، كلما جدف بيده محاولاً الخروج بها، جذبته نداهة البحر، تحيط بها، تطبق عليها، تسكنها داخل الجراب، فتسري قشعريرة خفيفة، فيسحبها بسرعة، فتخرج وهي قابضة على قطعها. تستوي أمامه: القصبة المنتهية بالبوق، والمطعم، والقشة.. يرفع القصبة، طلاؤها تقشر، تحول لونها ـ الذي كان يشبه البن المحروق ـ إلى لون جديد، يقول لنفسه:
ـ شاخت كما كبرت.
يركب المُطعم والقشة بالقصبة، فتستوي أمامه، تناوش عينيه، تغريه، تذكره بأيامها، وضمة أنفاسه تحرق جوفها، فتكتوي وتتلوي بين يديه، أسيرة لتلك الأنفاس التي لا تدعها تسكن فيها طويلاً، تفرج عنها فتتردد أصداء النغمات في القلوب المفتوحة فتصاب أجساد الثعابين بهلوسة الرقص.
يتنهد ويضمها لصدره ويقول:
ـ عُمْر.
مازالت بين يديه تعابثه، تستفزه، كما كانت تفعل أيام عزها، يرفعها، فتستوي أمام عينيه، تسرب إلى أنفه رائحة خشب الجوافة المصنوعة منه، فتهب نسائم طرية، يتخيلها بين يديه، بين شفتيه، وبعناد يستجمع قواه، يدفع بكمية كبيرة من الهواء، فيخرج الصوت نشازاً، تتفكك أوصاله، ويعاود المحاولة، ينجح، ليخرج صوتها قويا، فيندفع ينفخ، وهي تطاوعه، وهو بالتدريج يسير ببطء ليصل إلى ذروة اليقظة. يصلها الآن، فيكف عن النفخ، ويمد يده إلى حنك الجراب يفتحه، تطل الثعابين، فيوسع لها الفتحة، فتخرج، ويعود إلى النفخ.
***
المشهد الآخذ في التنامي يجعله كالمضروب بالسوط، يجاهد لكي يبقيه أكبر وقت ممكن، فليس هناك متسع ولا وقت إضافي لإعادة الكرة، هي المحاولة الأخيرة والتي لا بد لها أن تفلح وتعيد إليه نفسه الهاربة، والرافضة الانصياع لمبدأ المشي بجوار الجدر، هكذا يعلم.. لذلك يستمر في النفخ بدون أن يمنح نفسه أي لحظات ليلتقط أنفاسه، مكتفيا بفعل هذا في وقت واحد مع النفخ.
***
في بداية المشهد لم يكن يهمه إلا الصوت وقوته، أما الآن فكل انتباهه مع الثعابين التي دخلت حلبة الرقص بنشاط زائد. هكذا تكون الحياة من دون حواجز، من دون خوف، الآن يمكنك أن تفرح بعودة الحياة التي كانت بداخلك، وبعد الآن لن يكون هناك ذلك الارتجاف الذي كان يقيدك، ويمنعك من فعل أي شئ، حافظ على جذوتك، اجعلها دائمة الاشتعال، إياك أن تخبو، إياك يا على.. فرصتك الأخيرة، لا تتركها تفلت من بين يديك، كم من فرص ضاعت؟.. الكثير، كانت في قمة ظهورها تثير الكثير من التحفز، ومع الأيام تقول لا فائدة، إياك يا على وشعور العجز، تعرف أن السبب هو ذلك التاريخ الذي صنعته الأيام، ولم يتدخل أحد فيه، ولم يحاول ولو محاولة صغيرة في تغييره، اعلم أن الإنسان يصنع تاريخه، فعليك بالنظر إلى الأمام، ودع الماضي، حتى لا يتوه منك الحاضر وتفقد الطريق إلى المستقبل.
***
الصوت الآن في أحسن حالاته، والفحيح الذي راح ينتقل من مكان إلى مكان، أصبح واضحاً، يعلن عن حضوره.
يجعل الزمارة طيعة بين شفتيه، تردد نغمة: “الحياة الذليلة هي الموت بعينه”.